إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

تحرير الجرود: إنتصار مخنوقٌ بغصّة!
الجيش اللبناني حرّر الارض من داعش... واحتضن مخطوفيه العائدين شهداء!
في مسرحية بترا، يقول الاخوان رحباني بصوت فيروز، بعد مشهد انتصار بترا الصغيرة على التسلّط الروماني: يا سيِّد النصر، لو تعرِف شو كلَّف النصر، إشيا انقالت وإشيا ما انقالت، بعدها ورا الدمع مخبّاية.
هذه الكلمات تحضر اليوم، مع الحدث الكبير المزدوج:
- انتصار الجيش على الارهاب وتحرير بقعة الارض التي كان يعيث فيها خراباً، على الحدود مع سوريا.
- عودة العسكريين التسعة المخطوفين لدى التنظيم الارهابي شهداء إلى تراب الوطن.
بديهي أن يكون الدم ثمناً لتحرير الارض. وهذا ما أكده المدير العام لامن العام اللواء عباس ابراهيم الذي اضطلع بالدور الحاسم لبلوغ هذه المسألة نهاياتها بعد عذاب فاق ال3 سنوات. إلا أن الموجع هو الطريقة التي جرى فيها خطف العسكريين غدراً من بلدة عرسال، والظروف التي تمت فيها تصفيتهم.
بالعودة إلى ما تقوله فيروز: هناك إشيا انقالت وإشيا ما انقالت. ولا بدّ أن تقال الاشياء كلها ذات يوم، لأن التاريخ يجب أن يقول كلمته وأن يعطي حقّه لكل صاحب حق. فهل الطاقم السياسي الذي يدير لبنان وأزماته يتحمل جزءاً من المسؤولية عما حصل، أم إنه قام بكل ما يمليه عليه الواجب والضمير.
إنها فرحة انتصار الجيش اللبناني البطل، ومعه الشعب الذي يقف إلى جانبه. وصحيح أن فرحة انتصار الجيش امتزجت بغصّة في القلب ودمعة في العين، وبجرحٍ عميق لدى أهالي العسكريين الشهداء الذين راهنوا كثيراً على الرجاء، لكن كل ذلك لا يجوز أن يمسح أجواء الاحتفال الكبير بالتحرير.
المجد والخلود للشهداء الابرار. عبارة كافية وافية. وبعدها، يجدر السكوت، لأن التاريخ سيتكلم.

لبنان بات نظيفاً تماماً من الارهابيين. وهذا إنجاز يسجَّل للبلد الصغير، فيما بلدان كبيرة في الشرق الاوسط والعالم تتخبط في المواجهة مع داعش ورديفاتها. ففي جرود رأس بعلبك - القاع، قام الجيش بتنفيذ عملية مركزة استمرت أقل من أسبوعين، استطاع خلالهما القضاء على أوكار الارهاب في تلك المنطقة، بأقل ما يمكن من خسائر. وحسم الجيش معركة الجرود بالسيطرة على أكثر من 100 كيلومتر مربع، قبل أن تستسلم داعش بعدما فقدت الامل بالنجاة في الكيلومترات الاخيرة التي لجأت إليها.
لقد طلب التنظيم الارهابي، مرات عدة، وقفاً للنار يتيح لعناصره الفرار نحو الداخل السوري، وتحديداً نحو المناطق الشرقية من سوريا، لكن الجيش اشترط للقبول بذلك أن يكشف الارهابيون مصير العسكريين التسعة الذين خطفوهم غدراً من بلدة عرسال في 2 آب/اغسطس 2014. وتمت عملية تبادل شارك فيها حزب الله.
لقد أدركت داعش تماماً أن لا أمل لها في معركة جرود رأس بعلبك - القاع وعرسال، لأن هناك قراراً دولياً وإقليمياً بالاستغناء عن خدماتها، في لبنان وسوريا والعراق وسواها. وبناء على هذا المعطى، بدأت تتخبَّط في المواجهة: على الحدود اللبنانية - السورية كما في آخر بقعة يمكنها التحرّك فيها، أي عين الحلوة.
وتحدثت معلومات عن تشرذم كبير ساد صفوف داعش خلال المعركة ومنعها من اتخاذ قرار سريع تجاه المواجهة القاتلة التي تخوضها مع الجيش اللبناني في الجرود، لجهة إعلان الهزيمة والاستسلام أو استكمال القتال حتى الرمق الاخير. ونماذج جلاء داعش المماثلة، عن مناطق سورية وعراقية، شهدت ارتباكاً كبيراً في صفوف التنظيم الارهابي بين الخيارين. وفي النهاية، تشرذمت صفوف الداعشيين بين الفرار والاستسلام والموت.
ومن أصل العدد المقدّر لعناصر داعش في الجرود، أي نحو 600 عنصر، هناك نسبة وازنة من الذين حاولوا الاستسلام للجيش منذ اللحظة الاولى، وفق الطريقة التي جرى فيها استسلام النصرة ل حزب الله في جرود عرسال، أو استسلام الداعشيين ل الحزب في مطلع المواجهة مع الجيش اللبناني. لكنَّ عناصر آخرين منعوهم من تحقيق هذه الأمنية، تحت طائلة التصفية الجسدية، كما يحصل عادة داخل العصابات.
وأوضحت مصادر عسكرية أن عوامل عدة أخذها الجيش في الإعتبار خلال تقدمه الميداني، منها: وعورة الأرض ووجود مدنيين بين المسلحين، حيث عمد أمير تنظيم داعش المدعو أبو السوس إلى استعمال المدنيين كدروع بشرية ووزعهم في المراكز التي استهدفت في العمليات العسكرية لإعاقة عمل الجيش، واقتراب الجيش نحو ناحية الحدود، حيث يقوم حزب الله والجيش السوري بالقتال. وفي غياب التنسيق، درس الجيش خطواته بدقة.
وفي أي حال، أدركت داعش أنها اليوم تواجه أزمة مصير في لبنان، لا مجرد معركة عادية. فالجيش اللبناني لم يقرِّر إطلاق هذه الحرب إلا بتغطية داخلية وإقليمية ودولية شاملة، وبهدف اقتلاع التنظيم الارهابي من جذوره. إنها تحديداً حصة الجيش اللبناني في الخطة الإقليمية - الدولية الرامية إلى القضاء على داعش.
فمعركة داعش في الجرود كانت الاخيرة في لبنان، كما إن معاركه في العراق وسوريا هي أيضاً معارك الفصل الاخير. وتدرك داعش وأخواتها أن مهمتها انتهت، كما انتهت عبر التاريخ مهمات أية بندقية ولدت كائناً ممسوخاً وعاشت تؤجِّر نفسها كمرتزقة. ويقال إن الفضائح التي سيكشفها التاريخ عن داعش والقوى التي تقاطعت لتربيتها وتحويلها وحشاً بشرياً أعمى، كل بدوره، ستقشعرّ لها الابدان أكثر مما تقشعرّ لشراسة الجرائم التي ارتكبتها!

تحرير الثلثين!
وكان الجيش اللبناني تمكن، في اليومين الاولين من عمليته في الجرود، من السيطرة على ثلثي المساحة المستهدفة. وتميّزَ هذان اليومان بسرعة تقدّمِ الجيش ميدانياً. وأكَّد مصدر عسكري أنّ هذا التقدّم السريع حصَل نتيجة عوامل عدّة، أبرزُها:
- أوّلاً، التحضير الذي تمَّ على مدى الأشهر الماضية، ووضع خطة مدروسة، حيث لم يتأثّر الجيش بالضغط الذي حاوَل البعض ممارستَه عليه.
- ثانياً، تصميمُ الجيش قيادةً وضبّاطاً وأفراداً على إنهاء الظاهرة الإرهابية التي هي بمثابة شوكةٍ في خاصرة لبنان.
- ثالثاً، الغطاءُ السياسيّ الداخلي الذي منِح للمؤسسة العسكرية، إضافةً إلى الثقة الدولية بأدائه.
- رابعاً، مفاعيل الدعمِ الأميركي والبريطاني للجيش، حيث إنّ الأسلحة الأميركية تفعل فِعلها في الحرب الدائرة، كما أنّ أبراج المراقبة التي بناها البريطانيون ساهمت في كشفِ مواقع الإرهابيين.
وأكّد المصدر تقهقُرَ قوّةِ داعش، حيث إنّ استراتيجية الجيش في ضربِ تحصينات الإرهابيين وشلِّ حركتِهم ساهمت في انهيارهم سريعاً، في حين أنّ سلاح الطيران كان فاعلاً في اليومين الأوّلين من المعركة بمقدار كبير.
وسارت المعركة، حسب قيادة الجيش، على محورَين. وتقدم الجيش ليسيطر على مناطق: مرتفع ضليل أم الجماعة 1605، ضهور وادي التينة 1551، قراني مقيال فرح 1575، جبل وادي الخشن، قرنة حقاب الحمام وقراني العقاب 1563، ما جَعله يسيطر بالنار على أقسام واسعة من المناطق المحاذية للحدود اللبنانية السورية. وبلغت المساحة المحرّرة والعمليات التمهيدية التي سبقَتها نحو 80 كيلومتراً مربّعاً من أصل 120 كيلومتراً مربّعاً. وجدَّدت قيادة الجيش تأكيدَها أن لا تنسيق مع حزب الله أو الجيش السوري. وقد أستشهد خلال العمليات العسكرية ثلاثة عسكريين وأصيبَ رابعٌ بجروح بالغة نتيجة انفجار لغمٍ أرضيّ بآليّة عسكرية. وتفقَّدَ قائد الجيش العماد جوزف عون الوحدات العسكرية التي تُواصِل تنفيذ العملية، فيما تفقّد الرئيس عون الجرحى العسكريّين واطّلع على أوضاعهم واطمأنّ إلى صحّتهم.
وقال وزير الدفاع يعقوب الصرّاف: نحن أمام معركة لن يكون فيها الجيش إلا منتصراً، فهو يخوض معركة تحرير أرضِه من تنظيمٍ إرهابيّ. وصحيح أنّ هذه المعركة تسير بوتيرة جيّدة، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ المعركة ليست سهلةً وليست نزهة، فعدوُّنا الإرهاب، وعلى مدى سنوات احتلّ جزءاً عزيزاً من أرض الوطن، وطبيعةُ الأرض قاسية وصعبة، لكنّ جيشَنا مستعدّ للتحرير، وهو انطلقَ في معركته متسلّحاً بعقيدةِ الجيش المؤمن بأرضه ووطنه وبالتفافِ اللبنانيين حوله، ممّا شكّلَ قوّةَ دعمٍ له.

ال40كيلومتراً الاخيرة
وفي الاسبوع الاخير، نفذ الجيش المرحلة الثالثة من عملية "فجر الجرود"، وهي كانت تشمل مساحة تقارب ال 40كيلومتراً مربّعاً. وراجت معلومات عن أنّ ما تبَقّى من إرهابيّي داعش يتجمّعون في آخِر معاقلهم في تلك الجرود. وقد واصَلت وحدات الجيش استهدافَ ما تبَقّى من مراكز الإرهابيين بالمدافع الثقيلة والقصفِ الجوّي، فيما عملت وحدات من فوج سلاح الهندسة في الجيش على تنظيف المناطق المحرّرة من الألغام والعبوات والأجسام المشبوهة، وفتحِ الثغرات في حقول الألغام أمام الوحدات القتالية الأمامية. ولكن، ما ساهم في تأخير استكمال المعركة لاستعادة ما تبَقّى من الجرود هو البحث الدؤوب الجاري عن العسكريين المخطوفين ومعرفة مكان وجودهم أحياءَ كانوا أم شهداء.
وضَبطت وحدات الجيش كمّيات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمتفجّرات والأعتدة العسكرية، وضمّت: مدافع هاون ورشّاشات متوسّطة وثقيلة وبنادقَ حربية وقنابل يدوية، وقاذفات مضادّة للدروع وصواريخ مضادّة للطائرات، وعبوات ناسفة وألغاماً مضادّة للأشخاص والآليات وقذائفَ وذخائر من عيارات مختلفة، بالإضافة إلى كمّيات من أجهزة الاتصال والتصوير ومعدّات عسكرية متنوّعة، وأدوية ومنشّطات.
وأوقفَت مديرية المخابرات في محلّة وادي الأرنب في عرسال أحدَ المسؤولين الأمنيين في تنظيم داعش هو السوري باسل محمد عبد القادر الملقّب ب أبو أنس السحلي وصقر عرسال.
وأكّدت مصادر عسكرية أنّ أمام الإرهابيين خيارَين: إمّا الاستسلام والكشف عن مصير العسكريين المخطوفين، وإمّا الحرب والموت. وأعادت المصادر التأكيد أن لا تنسيق للجيش مع حزب الله والجيش السوري، ومن يحاول رميَ مثلِ هذه الأمور إنّما هدفُه التشويش على الجيش، فقد قالت قيادة الجيش كلاماً واضحاً وصريحاً في هذا الخصوص، والبعض يحاول حرفَ مجرياتِ المعركة، لكنّ الجيش يَحظى بثقة اللبنانيين وسيَخرج منتصراً من المعركة.

حصار المربع الاخير
وفي الايام الاخيرة، أعلنت مصادر عسكرية أنّ قوّة داعش انهارت ولم يعد هناك سوى بعض البقع التي تحتاج الى بعض الوقت، مشدّدةً على أنّ الجيش الذي حضَّر هجوماً برّياً وجوّياً محكماً وحشَد الآلاف من جنوده لم يكن ينتظر هذا الانهيار السريع وتقهقُر صفوف داعش، بل كان مستعدّاً لكلّ الاحتمالات، وما حصَل يؤكّد أنّ الجيش لا يخاف المواجهة، ويقاتل لحماية كلّ لبنان وقادر على تحقيق الانتصارات وحماية الحدود والداخل.
ولفتَت المصادر العسكرية الى أنّ الجيش سينكبُّ على تنظيف الجرود من الألغام ومخلّفات داعش، وسيَستكمل تحرير ال 20 كيلومتراً مربّعاً من بقايا داعش بعدما حرَّر 100كلم2، ولن يبقى أيّة بقعة للإرهابيين. فالقرار السياسي الممنوح للجيش وتعاطُف اللبنانيين والدعم الدولي أمورٌ ساهمَت في تحقيق النصر، لافتةً الى أنّ ساعة إعلان الانتصار النهائي باتت قريبة جداً، لكنّ هذا النصر لا يكتمل قبل معرفة مصير العسكريين.
ونفذت وحدات الجيش، تحت غطاء جوّي ومدفعي مكثّف، المرحلة الثالثة من عملية فجر الجرود على محورَين رئيسيّين، حيث تمكّنت من تحقيق هدفِها وهو إحكام السيطرة على كلّ البقعة الشمالية لجبهة القتال حتى الحدود اللبنانية - السورية، والتي تضمّ: تلة خلف 1546، رأس الكف 1643، رأس ضليل الضمانة 1464، قراني شعبات الإويشل 1500، المدقر 1612، مراح درب العرب 1400، قراني خربة حورتة 1621، مراح الدوار 1455، الدكانة 1494، وبذلك بلغت المساحة الجديدة التي حرّرها الجيش نحو 20كلم2.
واستُشهد خلال العمليات العسكرية أحد العسكريين وأصيبَ أربعةٌ آخرون نتيجة انفجار نسفيةٍ مفخّخة، فيما أسفرَت هذه العمليات عن تدمير 9 مراكز للإرهابيين تحتوي على مغاور وأنفاق وخنادق اتّصال وتحصينات وأسلحة وذخائر وأعتدة عسكرية مختلفة.
وأعلنَ مدير التوجيه في الجيش العميد علي قانصو في مؤتمر صحافي عَقده في اليرزة، أن لا موقوفين أو أسرى من داعش لدى الجيش، ولا معلومات حتى الآن عن العسكريين المخطوفين. وقال: ليس هناك مدة زمنية معيّنة لانتهاء العملية العسكرية في الجرود، وعند الوصول الى الحدود اللبنانية السورية بحسب الخرائط الموجودة لدينا نتوقّف.
وبلغ الجيش في تقدّمِه عدداً من النقاط الحدودية مع سوريا باستثناء المنطقة المحيطة بوادي مرطبيا التي يتجمّع فيها مسلّحو داعش من غير الذين فرّوا إلى داخل سوريا عبر معابر قديمة كانوا يستخدمونها في انتقالهم بين أراضي البلدين. وقالت مصادر عسكرية إنّ قوى الجيش التي بلغت الحدود لم ترصد بعد أو تلتقِ بأيّ من عناصر الجيش السوري أو غيره. والجيش سيتوقف عند الحدود ولن يتقدّم شبراً في الاراضي السورية. ونبَّهت من محاولات البعض الإساءةَ الى صورةِ الجيش وهيبته وطريقة تعاطيه مع المسلحين ومحاولات الزجّ به في مهامّ لم يقم بها، واستخدام آلياتِه في صورٍ تتحدّث عن أحداث سابقة لن تمسّ من هيبته ومعنوياته لكنّها في الوقت ذاته تعبّر عن نفسها بطريقة غير سليمة.

الحريري في الجرود
وزار رئيس الحكومة سعد الحريري، وقائد الجيش العماد جوزف عون، جرود القاع ورأس بعلبك، واستمعَ الى شرحٍ مفصّل لسير العمليات العسكرية وإلى كيفية استخدام الجيش أسلحةً جديدة متطوّرة للمرّة الاولى في المعارك، خصوصاً المتعلقة باستخدام اللايزر الموجّه للمرابض المدفعية الثقيلة، والتي أدّت إلى إصابات مباشرة في الأهداف العسكرية، ما أدّى إلى عدد كبير من القتلى في صفوف الارهاببين.
وفي اللحظة الاخيرة، السبت الفائت، نضجت الاتصالات بين بيروت وبعض العواصم الإقليمية عبر مراجع أمنية، ولاسيما اللواء ابراهيم، والتي تناوَلت إمكانَ التوصّل إلى وقفٍ للنار بين داعش والجيش اللبناني، مقابل كشف داعش معلومات دقيقة عن مصير العسكريّين اللبنانيين المخطوفين لديها.
ونجحت التسوية. فأعلن الجيش وقف النار فيما أبلغت داعش أن العسكريين المخطوفين قد تمت تصفيتهم وأنهم مدفونون في محلة وادي الدّب جرود عرسال، ونُقلت جثثهم الى المستشفى العسكري المركزي لإجراء فحوص الDNA للتأكد من هوية أصحابها.
وهكذا يكون الجيش قد حقق هدفه بالانتصار على الارهاب وكشف مصير مخطوفيه. وقد أطلق المعركة بمفرده على الارض اللبنانية واستطاع سريعاً تحقيق انجاز كبير، فوصل الى الحدود مع سوريا بعدما كبّد الارهابيين خسائر كبيرة وأوقع في صفوفهم، خصوصاً في اليومين الاخيرين، نحو 50قتيلاً.
وهناك اتجاه رسمي لإعلان يوم حداد فور صدور نتائج فحوص الDNA. وقد يتزامن هذا اليوم مع إعلان قيادة الجيش النصر النهائي على الإرهاب، ليأتي يوم الحداد تتويجاً له.
وكان اللواء ابراهيم أبلغ الى أهالي العسكريين في خيمة اعتصامهم في رياض الصلح، أنه كانت لديه معلومات منذ شباط/فبراير 2015 عن استشهاد العسكريين، لكنه لم يستطع تأكيد صحتها.

انتقادات 14 آذار
وانتقد مصدر في القوات اللبنانية انّ العملية العسكرية المُشَرِّفة التي نفّذها الجيش اللبناني فَضَحت محور الممانعة الذي سارع إلى تهريب مسلّحي داعش قبل ان يَنقضّ الجيش عليهم ويخضعهم لمساءلة تفضح كثيراً من الأسرار حول العلاقة بينهم وبين محور الممانعة، وكيف كان يتمّ توظيفهم ضمن استراتيجية الممانعة.
ورأى المصدر انه لا يوجد إطلاقاً ما يبرّر ترك المسلحين يغادرون في أمن وأمان وبحراسة مشدّدة من حزب الله ومواكبة من النظام السوري، بعدما تبيّن انّ العسكريين اللبنانيين تَمّت تصفيتهم، بل كان يفترض القضاء على هؤلاء المسلحين عسكرياً إنتقاماً لشهداء الجيش ولكلّ شهيد سقط بسبب عبواتهم الناسفة، وأسر ما يمكن أسره لكشف ملابسات خطفهم العسكريين وأسرار تلك المرحلة.
ولاحظت مصادر سياسية من 14آذار إنّ الحزب، بعدما برهنَ الجيش اللبناني على انه هو الحامي الفِعلي للبنان من خلال تحرير جرود رأس بعلبك والقاع، سارعَ الى ضرب هذه الصورة التي حظيت بإجماع لبناني وعربي ودولي حول الجيش، من أجل تسريع موضوع التفاوض مع داعش لكشف مصير العسكريين.

واشنطن واليونيفيل
وأعربَت السفارة الأميركية في بيروت عن فخر الولايات المتّحدة بدعمِ الجيش اللبناني، في اعتباره المدافعَ الوحيد عن لبنان وشريكاً في معركتها المشتركة ضدّ داعش. وبدورها، أبدت السفارة الفرنسية إعجابَها ودعمها للجيش اللبناني. وقالت: "إنّ لبنان وفرنسا يواجهان اليومَ عدوّاً مشتركاً.
وفي موقف اميركي متجدد ضد حزب الله، قالت المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة نيكي هالي انّ على القوات الدولية الموقتة في لبنان اليونيفيل التي يفترض أن ينتهي التفويض الممنوح لها بحلول نهاية الشهر الحالي "التحرك على نحو أنشط لمنع توريد الأسلحة لحزب الله. ورأت انّ الحزب يراكم الأسلحة جنوب البلاد في إطار التحضيرات لحرب جديدة ضد إسرائيل. وقالت: منذ العام 2006، هناك تدفق كبير غير شرعي للسلاح إلى حزب الله، ومعظمه يتم تهريبه من إيران، وشددت على أن هذا ليس منعاً للحرب، وإنما هو تحضير لها.
كذلك انتقدت قائد اليونيفيل، الجنرال الإيرلندي مايكل بيري، واتهمته بأنه يظهر عدم الفهم المُخجل للوضع، وأنّ موقفه من سلاح الحزب غير واضح. وأضافت: إنه الشخص الوحيد في جنوب لبنان الذي لا يرى ما يجري. وطالبت بإدخال تعديل على تفويض القوات الأممية في لبنان، مشيرة في الوقت نفسه إلى أنّ الولايات المتحدة لا تتطلّع إلى تعديل تفويض اليونيفيل جذرياً، وإنما تريد إدخال صيَغ واضحة تنص على وجوب إيلاء قوات اليونيفيل مزيداً من الاهتمام بنشاط حزب الله.

موقف نصر الله
وفي المقابل، أظهرت إطلالة الامين العام ل حزب الله السيد حسن نصرالله الأخيرة انّ إرادة التنسيق مع النظام السوري ليست مسألة عابرة او تكتيكية، او على طريقة تسجيل موقف ورفع عتب، إنما تعبّر عن توجّه استراتيجي بدليل الإصرار على هذا التنسيق، وفي كل مرة يُصار فيها إلى إقفال هذا الباب يعود الحزب لفتحه مجدداً. وآخر تلك المحاولات الدعوة إلى التنسيق تحت عنوان العسكريين المخطوفين، الأمر الذي يؤشّر بوضوح إلى تبدّل في توجّه الحزب الذي كان يقضي بتحييد الملفات الخلافية ما سمح بالاستقرار الداخلي وأنتج انتخابات رئاسية وتأليف حكومة شهدت انتظاماً غير مسبوق منذ العام ٢٠٠٥. لكن يبدو انّ المعادلات الإقليمية، وتحديداً قرب دخول سوريا في مرحلة انتقالية، تستدعي إدخال لبنان في معادلة جديدة، والتي يصعب ان تقف عند حدود الحكومة في حال إصرار الحزب على التنسيق الذي سيهزّ شباكها ويعيد لبنان إلى مرحلة الانقسامات العمودية، خصوصاً في ظل توجّه سعودي تمّ التعبير عنه صراحة في زيارة وزير الدولة السعودي لشؤون الخليج العربي تامر السبهان الذي قال انّ الرياض لن تسمح بهيمنة إيرانية على لبنان، فيما إضافة نصرالله الجيش السوري إلى معادلته الثلاثية وتحويلها رباعية أعطى انطباعاً بوجود توجّه يرمي إلى إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وعودة نفوذ النظام السوري إلى لبنان، وبالتالي كل هذا الجو لا يطمئن ويؤشّر إلى تبدّل لا بد ان تظهر ترجماته في الأسابيع المقبلة على الأرض.

محاولة اشعال عين الحلوة
في ظل الجو الانهزامي الذي عاشته داعش في الايام الاولى من المواجهة، يمكن النظر إلى ما أرادته من التفجير الذي افتعلته في عين الحلوة. فهناك ثلاثة أهداف سعت داعش إلى تحقيقها في المخيم:
1- محاولة لإلهاء الجيش اللبناني عن حربه في الجرود وتشتيت قوته بإشعال بؤرة داخلية.
2- تعميم القتال على كامل بقعة المخيم بحيث يصبح المدنيون فيه متاريس بشرية تحتمي بها داعش، ما يضطر القوى الفلسطينية إلى التحرك عربياً ودولياً لوقف القتال والمطالبة بتأجيل المعركة ضد الارهاب في المخيم والجرود معاً.
3- إظهار أن استقرار عين الحلوة هو ورقة في يد داعش يمكن أن تستخدمها في أية مساومة محتملة مع الجانب اللبناني في معارك الجرود. واحتمال إيجاد مخارج لعشرات الأسماء والرموز، من فلسطينيين ولبنانيين مطلوبين للعدالة.
لعبت داعش على التباينات الفلسطينية - الفلسطينية في المخيم، ولاسيما بين فتح وفتح - الحركة الاصلاحية والقوى الاسلامية الشريكة في استقرار المخيم، وأبرزها حماس. وراهنت على أن إسلاميي المخيم لن يسمحوا بهزيمة قوى إسلامية متطرفة أمام "فتح"والفصائل الاخرى.
وبالفعل، نشأ بعض من التباين بين فتح وحماس حول طريقة المعالجة أو حدّة المواجهة مع الاسلاميين. لكن فتح بدت مصرّة على التقدم في زواريب حي الطيري، معقل بلال بدر، مهما كلف الامر، وحسم المعركة. وربما تطمح حماس إلى دور في تسوية محتملة.
لكن فتح ومعها قوى أخرى في القوة المشتركة ماضية في إنهاء مواقع بدر وبلال العرقوب وشادي المولوي في أحياء الطيري والصفصاف والمنشية ورأس الاحمر أبعد من عين الحلوة. ولا يمكن ل حماس إلا أن تكون جزءاً من هذا الاتجاه، لان القرار بتصفية الارهاب متخذ على مستوى إقليمي- دولي.
لقد فشلت داعش في تحقيق أي من أهدافها الثلاثة. ومن أصل قرابة 250 عنصراً مسلحاً محسوبين على داعش والقوى الرديفة لها، لم يتحرك سوى 60مسلحاً في المعركة الجارية مع فتح. وأما استفزاز الجيش اللبناني على مشارف المخيم، حيث تمّ استهداف الجدار الاسمنتي الذي يبنيه، فقد تبيّن أنه محاولة عقيمة، وقامت فتح بدور وقائي في هذا المجال.
وتعيش القوى المحسوبة على داعش وأخواتها داخل المخيم حالات توتر وإرباك شبيهة بتلك التي يعيشها عناصر داعش في الجرود. فهناك كوادر تطمح إلى الفرار، لكن الجيش يسدّ عليها المنافذ، فيما أخرى تأمل في الاستسلام بأقل الاضرار وأخرى لها مصلحة في القتال لانها تدرك مصيرها في أي حال. وقد سارعت فتح إلى منع الارهابيين من التمدد خارج أحيائهم إلى سائر الاحياء في المخيم، ما ينذر بكارثة. وهكذا ازداد تخبط هؤلاء وارتباكهم.
وفي موازاة المعركة بين الجيش والارهابين في الجرود، أو بعدها، سيتم ضبط الارهابيين في عين الحلوة أيضاً، ولكن، بأدوات فلسطينية. إذ ليس منطقياً أن يقوم لبنان بمهمة مكلفة في عين الحلوة، يقتلع فيها الحالات الشاذة، ثم ينسحب تاركاً أمن المخيم للآخرين، على أرض يُفترض أنها خاضعة للسيادة اللبنانية. والاحرى أن يكون له الامن كاملاً في المخيم... إذا كانت هذه الفكرة قد نضجت لدى المسؤولين الفلسطينيين. فمخلفات داعش ستزول تماماً من الداخل اللبناني بعد زوالها من منطقة الحدود اللبنانية - السورية. وبعدها سيكون لبنان نظيفاً تماماً من البؤر الارهابية.
بعد هذا الثمن الذي دفعه لبنان وجيشه في المواجهات مع الارهاب على الحدود وفي الداخل، هل تستفيد القوى السياسية اللبنانية من المعطيات الجديدة لانجاز الخطوات التي تضمن السيادة اللبنانية، بواسطة الجيش اللبناني وحده، وعلى كل الاراضي اللبنانية، منعاً لكوابيس مقبلة؟
    قرأ هذا المقال   15264 مرة
غلاف هذا العدد