إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

لقاء لا فراق!
قبل ان يعلن العماد عون موقف رئاسة الجمهورية، كان امامه حدثان كبيران صباح الاثنين الماضي، اجتماع عاجل في السعودية بين الملك والرئيس سعد الحريري، تصريح من الأمين العام ل حزب الله يدعو الى التريث في النظرة الى استقالة رئيس الحكومة، وحرص لبناني على وحدة البلاد، بعد الاستقالة المفاجئة من رئاسة مجلس الوزراء.
قبل ان يرئس رئيس الجمهورية الاجتماع في القصر الجمهوري قال لعدد من اصدقائه: ان ما أسعى اليه هو لقاء لا فراق، وعلى هذا الأساس اتفقنا بعد تباينات على ان يثمر ربيع البلاد، انتخابي رئيساً للجمهورية. وبموجب ما حصل في الرياض، سنتفق والرئيس سعد الحريري على وحدة البلاد، وأردف رئيس الجمهورية، قبل أن يدخل الى قاعة الاجتماع الرئيسي، ان الحوار أقوى من البعاد، وان الصراع اضعف من المناكفات، وان لبنان الواقف على ابواب الانهيار لن ينهار، طالما فيه ارادة حيّة تدعو الى الوحدة لا الى البعاد بين مختلف ابناء الوطن.
في العام ١٩٦٣، جرت انتخابات بلدية في لبنان، بعد طول غياب واحتجاب، وكانت المفاجأة غير المتوقعة فوز لائحة مؤلفة من معظم القوى غير المؤتلفة في كيان انتخابي تقليدي واحد، وخسارة القائمة المدعومة من معظم القوى في مدينة الميناء الطرابلسية.
هرع عدد كبير من أبناء الميناء الى الرئيس الشهيد رشيد كرامي يطالبونه بدعم رغباتهم في رفض لائحة الفائزين، ومعظمهم من الأحزاب اليسارية، ومن المناوئين للقوى التقليدية. لكن زعيم الفيحاء قال لهم ببرودة أعصاب: انني من الذين خذلهم الناخبون في اختيارهم، لكنني انحني أمام ارادة الشعب، وأبارك للفائزين بما حققوه، ولنتركهم يتفقون لا يختلفون.
بعد أيام اختار اعضاء المجلس البلدي احمد ممتاز كباره رئيساً لهم، وبعد خمس سنوات صعدوا جميعاً الى القصر الجمهوري، حيث استقبلهم الرئيس سليمان فرنجيه، وبادرهم بالدعوة الى العمل، لا الى الاختلاف.
وخاطب رئيس الجمهورية بصورة غير متوقعة، رئيس المجلس بقوله له، انه يتمنى عليه ان يكون ممتازاً في العمل، والانفتاح على الناس، لأن السياسة في لبنان هي لقاء لا فراق، والناس تحب الاتفاق على الخير، وتكره الخلاف

بعد ربع قرن على هذه الحادثة، لا يعرف الناس أين هو أحمد ممتاز كباره، لكنهم يعرفون ان وجود أهل اليسار في المجلس البلدي مع أهل اليمين، نجح في بناء سلطة محلية، تصبو ولا تزال تصبو الى جعل مدينة الميناء، عاصمة للعمل البلدي القائم على الانفتاح، لا على الانغلاق، على الرغم من الانتخابات البلدية التالية، ظل عبد القادر علم الدين، يحمل مبادىء معروفة مفادها ان اللقاء خير من الفراق.
عندما استشهد الرئيس رفيق الحريري، اعتقد الناس ان اللحمة طارت، من عاصمة اللحمة الواحدة. والآن، وبعد الاستقالة المفاجئة للرئيس سعد الحريري في السعودية، وقبل ان يعود الى بيروت، قال الرئيس العماد ميشال عون، انه اتفق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري والرئيس سعد الحريري على قيادة البلاد نحو الاستقرار، من دون ان يتراجع احد منهم عن اهدافه المعلنة، لأن التوافق هو اجدى من التباعد.
كان العماد عون، وهو يتوجه الى المجلس النيابي لأداء خطاب القسم يشدّد امام مَن كان يرافقه، اننا ذاهبون لنبصم على وحدة الوطن، لا على مغادرة اي منا موقعه السياسي.
وساعة اتصل به الرئيس سعد الحريري ليبلغه انه استقال من رئاسة الحكومة، ادرك العماد عون ان رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي ورئاسة مجلس الوزراء هي ثلاثية صعبة لكن لا بد منها احياناً لينجو لبنان مما يحدق به من اخطار.
طبعاً، ان الجميع في لبنان، ينتظرون عامل الوقت، للاهتداء الى حقيقة الحاضر وما يخبئه المستقبل، ما داموا اتفقوا على الذهاب، كل من موقعه، الى لبنان الواحد والموحد... ولكل منهم حساباته واسراره.
ولا أحد يدري اسرار المرحلة الآتية، رغم عودة الرئىس بري من شرم الشيخ الا بعد رجوع سعد الحريري الى لبنان وانهاء فترة مكوثه في السعودية.
وما افضى به الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، زرع الاطمئنان في النفوس وعلى مستقبل الوطن، لانه تحدث الاحد الماضي بلهجة هادئة لا بنبرة قاسية واشاع الامل في النفوس بدلا من الغضب، لان المملكة العربية السعودية يهمها ان يعود لبنان الى مستقبل هادئ، تتمثل فيه ارادة التوافق لا صراعات الفراق.
هل يتجه لبنان، بعد اسبوع قاتم القسمات الى البعاد عن بعضه بعضاً؟
لا احد يعرف ما يخبئه المستقبل للبنانيين، وان كان الجميع يعيشون على أمل هيمنة التوافق على النفوس اللبنانية الظامئة الى المعافاة من سياسات هجينة تخبئ لهم الكوارث بعد تجاوزهم الاخطار التي احدقت بالليرة اللبنانية، وبمصير النقد اللبناني الغارق في الف ازمة وازمة.
والنائب محمد قباني، وقد عزف عن الترشح للانتخابات النيابية المقبلة، يؤكد بصراحة، ان لبنان باق في هذه الحقبة، بلداً هادئاً، لان صيانة الاستقرار اصعب من الحفاظ على الازمات، وانه كرئىس لجان برلمانية، يشعر بأن الوحدة في الانتماء الى الوطن، هي قدر هذا البلد الذي يتطلع ابناؤه الى صيانته من التطرف الذي يرفضه الاعتدال.
    قرأ هذا المقال   58 مرة
غلاف هذا العدد