إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

لبنان تجاوز الهواجس المالية والنقدية بعد استقالة الحريري
الحاكم رياض سلامة: وضع الليرة مستقر ولا تغيير بسعر صرفها
أصداء قوية أحدثتها استقالة الرئيس سعد الحريري على المستوى السياسي. وأما الترددات على المستوى المالي والنقدي فتبقى تحت السيطرة المطلقة، لأن الوضع المالي والنقدي ممسوك بقبضة قوية بإدارة الحاكم الحكيم للمصرف المركزي الدكتور رياض سلامة الذي لطالما مرَّر أزمات أكثر عنفاً وقساوةً في مراحل مختلفة من تاريخ لبنان الحديث.
عندما أعلن الرئيس الحريري استقالته، انطلقت الهواجس: هل هناك ما يدعو إلى القلق على الليرة اللبنانية؟
وقد سارع مصرف لبنان إلى الطمأنة سريعاً، ببيان في يوم العطلة جاء فيه أن لبنان يمرّ بأزمة سياسية وحكومية تسببت باستفسارات حول مستقبل الليرة اللبنانية. ولذلك، يودّ المصرف المركزي أن يؤكد على استقرار سعر صرف الليرة تجاه الدولار الأميركي. وهذا الاستقرار هو لمصلحة لبنان ويحظى بإجماع لبناني، مع التأكيد على أن الإمكانات متوافرة بفضل الهندسات والعمليات المالية الاستباقية التي أجراها المصرف، وبفضل التعاون القائم مع القطاع المصرفي، لمصلحة لبنان واللبنانيين والاستقرار النقدي.
وفي إطلالة مع الزميل مرسال غانم، ضمن برنامج كلام الناس، أكّد الدكتور سلامة أنّ وضع الليرة اللبنانية مستقر، وأن تغيير سعر صرف الليرة غير مطروح بالنسبة إلينا. فنحن مررنا بأزمات تشبه الأزمة الحالية، وقد أصدرنا بياناً أكّدنا فيه أنّ الليرة اللبنانية ستبقى مستقرة، وهذا الأمر ليس مجرد إعلان، بل يرتكز على الإمكانات الموجودة في البنك المركزي وعلى إرادة حكومية للمحافظة على الإستقرار النقدي.
وأضاف سلامة: نحن في وضع أزمة سياسية وحكومية، ولسنا في صدد أزمة نقدية، ولسنا في حاجة إلى أيّ قرار إستثنائي، والعمل سيكون طبيعياً في القطاع المالي وبطريقة روتينية، والأزمة وقعت خلال عطلة الأسبوع والأسواق كانت مقفلة. ولفت إلى أنّ هناك كلاماً كثيراً في الإعلام حول الوضع النقدي وهذا أدّى إلى تساؤلات، ومن الطبيعي ان تدور هذه الأسئلة حول وضع الليرة اللبنانية والسيولة في السوق.

وأوضح أن مصرف لبنان على تواصل وتعاون مع سائر المصارف اللبنانية، وهو بنى نموذجاً نقدياً يأخذ في الاعتبار المعطيات المالية والاقتصادية للبلد والمفاجآت السلبية، واحترازياً قمنا بهندسات مالية وعمليات مالية مع الأسواق.
وأشار سلامة إلى أن لا معطيات غير اعتيادية في سوق السندات السيادية، وأن مصرف لبنان يشهد العرض والطلب وأن شيئاً لم يتغيّر في السوق.

أسواق بيروت
وفي الأسبوع الذي أعقب إستقالة الحريري، يوم السبت الماضي، بقيت الأسواق المالية في لبنان في وضع هادئ تماماً. وأكدت مصادر مصرف لبنان أن تطمينات الحاكم كانت أساسية في تهدئة مشاعر المتعاملين، خصوصاً ان لبنان مرّ بخضات مماثلة بدءاً من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مروراً بحرب تموز/يوليو 2006 وما تلاها من ظروف سياسية معاكسة وصولاً الى الفراغ الرئاسي قبل عام. واعتبرت ان خطاب السيد حسن نصرالله أعطى بعداً آخر لأزمة الاستقالة وأراح السوق، خصوصاً لجهة استبعاد أي تصعيد على الجبهة اللبنانية الداخلية.
وأوضحت المصادر ل أراب إيكونوميك نيوز أن تعاملات اليوم الأول من الأسبوع لم تخلُ من طلب طفيف على الدولار في مقابل تريّث متعاملين آخرين تجنباً لتكبّد خسائر في فارق سعر الصرف والفائدة، خصوصاً ان هناك ارتياحاً لإمكانات مصرف لبنان وللأخبار التي وردت من المملكة العربية السعودية عن لقاء بين الرئيس الحريري والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. وأكدت ان الأسواق المالية انطلقت في شكل طبيعي جداً، بعيداً من أية بلبلة او إرباك.

تعاملات المصارف
وقد تلقفت الأسواق ما طرأ من تطورات متسارعة. ولم يشهد بنك عوده أي طلب غير اعتيادي على الدولار، وفق رئيس قسم الأبحاث وكبير الاقتصاديين في المصرف مروان بركات. وقد رأى بركات ان تطمينات الحاكم ورئيس جمعية المصارف لجمت المخاوف، مشيراً الى ان مصرف لبنان يملك احتياطياً بنحو 44 مليار دولار أي ما يغطي نسبة ٨٠% من الكتلة النقدية بالليرة، مما يعني انه اذا رغب ٨٠% من اللبنانيين في تحويل ودائعهم بالليرة الى الدولار، فهو قادر على تغطية طلبهم. علماً انه في محطات سابقة، وخصوصاً بين 2005 و2006، لم يتجاوز الطلب على الدولار في اقصى حد سقف ال ٣٠% من الكتلة النقدية بالليرة. واليوم، الأسواق محمية بنسبة ٨٠%.
واكد بركات عدم تسجيل أية تحويلات لافتة في بنك عوده، الذي يعكس صورة السوق ويقود عملياتها، لكونه الأكبر من حيث الحجم، معتبراً ان ذلك لا ينفي وجود مفاعيل للأزمة على الوضع الاقتصادي، اذ سيكون هناك تأثيرات على النمو الاقتصادي ومناخ الاستثمار والسياحة. وقال بدا بوضوح أن الوضع اليوم ممسوك سوقياً من الناحية المالية والنقدية.
وفي السياق، اكد رئيس مجلس إدارة بنك الموارد الوزير السابق مروان خيرالدين ان التداولات المالية في المصرف لم تعكس التطورات السياسية المفاجئة، اذ لم نلحظ أي طلب غير اعتيادي على الدولار في مصرفنا الذي لديه نحو 70 الف عميل. وقال إن الوضع طبيعي جداً في الأسواق، وخصوصاً بعد التطمينات التي اطلقها حاكم مصرف لبنان، الذي يتمتع بخبرة في إدارة الأزمات وتحديداً منذ العام 2005، علما ان الظروف تغيرت اليوم نظراً الى الاحتياطي الأجنبي الذي يمكّنه من الدفاع عن الليرة في مواجهة أي طلب. ورأى ان الطلب الخجول قد يبقى لفترة يوم او يومين لتعود بعدها السوق المالية الى الانتظام بشكل كامل.
ومن جهته، المدير العام ل بنك سوسيتيه جنرال في لبنان جورج صغبيني لاحظ وجود طلب طفيف على الدولار في اليوم الأول، لكن الوضع بقي مستقراً طوال ساعات التداول، ولا سيما بعد تأكيد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة استمراره بتثبيت سعر الصرف وحمايته من أية خضات بفضل الاحتياطي الأجنبي الذي يمتلكه والذي نجم عن الهندسات الاستباقية التي قام بها. وقال ان الأسواق تحافظ على الثقة التي بُنيت على مرّ أعوام بسياسات الحاكم، بدليل عدم تفاعلها في اول يوم عمل مع النكسة السياسية، مطمئناً الى عدم وجود ما يقلق الأسواق، فلبنان قادر على تجاوز هذه المحنة كما في السابق.
وأما رئيس مجلس إدارة فيرست ناشونال بنك رامي النمر فقال: الأوضاع في الداخل اللبناني تبقى مفتوحة على حال عدم اليقين التي تحوط الوضع الاقتصادي بعد هزة سلسلة الرتب والرواتب والضرائب المرفقة بها، إضافة الى مسألة العقوبات التي نسمع تطمينات عنها من واشنطن ونقلق عليها في بيروت، ولكن، على صعيد السوق المالية، فالمداولات في اليوم الأول من الأسبوع كانت مقبولة جداً قياساً إلى حجم الأزمة، بدليل ان التحويلات من الليرة الى الدولار عندنا لم تتخط حاجز ال1.5مليون دولار. لكن حال الاستقرار هذه لم تمنع من تلقينا بعض الأسئلة في ظل مخاوف على مصير الحكومة.

تأكيد على الاستقرار
وكان الدكتور سلامة أكد قبل استقالة الحريري بأيام قليلة أن لبنان مستقر اقتصادياً ومالياً، مستنداً إلى وضع نقدي سليم، أهم مقوماته: ميزان المدفوعات الذي عاد الى التوازن، النمو في الودائع الذي بلغ ٦.٩% على أساس سنوي، النمو في موجودات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، الى جانب الاستقرار في سعر صرف الليرة تجاه الدولار الأميركي والاستقرار في بنية الفوائد، وسط نسبة نمو تقارب ٢.٥% قابلة إلى التحسن خلال العام 2018، علماً أن لبنان يحتاج إلى نسب نمو أفضل لتصل إلى ٦%. وهذا ممكن إذا ما نجحت مبادرة الحكومة اللبنانية بتمويل وإطلاق ورشة البنية التحتية.
وقال سلامة خلال مؤتمر الطاقة الوطنية اللبنانية بعنوان تحريك عجلة الاقتصاد: أصدر مصرف لبنان أخيراً تعميماً لرزمة من القروض السكنية والإنتاجية بقيمة مليار دولار، وساهمت هذه القروض في التقدّم بالشمول المالي، فعدد المقترضين ضمن هذا البرنامج يتجاوز ال 126000، وارتفع عدد المقترضين عامةً من القطاع المصرفي من 34000 في كانون الأول/ديسمبر 1993 إلى 934000 في حزيران/يونيو 2017. ونسبة التضخم لهذا العام تراوح ما بين 3 و٣.٥%.
وأضاف: يتوجه مصرف لبنان إلى وضع معايير كفيلة بتحصين القطاع المصرفي، وتقوية المصارف والقدرة التنافسية لديها في زمن تشتد فيه المنافسة إقليمياً، من خلال تأمين انتشار آمن للمصارف خارج لبنان، وتوسّع داخلي منضبط بالتسليف وتطبيق المعايير المحاسبية الدولية. وعاد لبنان إلى الانتظام المالي من خلال إقرار موازنة لأول مرة منذ 12عاماً. واضاف: ترافقت هذه الموازنة مع إقرار سلسلة الرتب والرواتب والضرائب، والأنظار الآن على موازنة 2018 حيث أنّه من الضروري تخفيض نسبة العجز في الموازنة إلى الناتج المحلي. وقال ان استقرار الليرة هو قرار وطني وحكومي وشعبي وقناعة راسخة لدى المصرف المركزي. واكد ان الإمكانات متوافرة لتبقى الليرة اللبنانية مستقرة وستبقى.
وكانت جامعة الروح القدس كرّمت حاكم المصرف المركزي خلال مؤتمر عن ريادة الأعمال. وتسلّم الحاكم سلامة الدكتوراه الفخرية. وقال: الأسواق طبيعية وليس هناك أي خطر على الليرة اللبنانية.
وفي أيلول/سبتمبر الفائت، تمّ اختيار الدكتور رياض سلامة، للسنة الثانية على التوالي، من بين أفضل 9حكام مصارف مركزية في العالم، إلى جانب حكام المصارف المركزية لكل من أوستراليا وهندوراس والمغرب والباراغواي وروسيا وتايوان والولايات المتحدة، الذين تميّزوا بنيلهم درجة "A" المرموقة.
وتنشر مجلة غلوبال فاينانس منذ عام 1994 تقريراً سنوياً تعلن فيه أسماء أفضل حكام مصارف مركزية في 83 بلداً رئيسياً والاتحاد الأوروبي. وتمنح هذه الدرجة على أساس النجاح في احتواء التضخم، وتحقيق أهداف النمو الاقتصادي، والحفاظ على استقرار العملة الوطنية وإدارة معدلات الفائدة.
ويأتي تعيين سلامة من بين أفضل حكام العالم ليكرّس الثقة العالمية بالنظام المصرفي اللبناني الذي التزم على الدوام تطبيق المعايير الدولية بفضل سياسات مصرف لبنان المالية والنقدية الصارمة، كما أنه يشكل نقطة إيجابية مضيئة للبنان، تبيّن الدور البنّاء والبارز الذي يؤديه البنك المركزي اللبناني، على رغم الأزمات السياسية.
    قرأ هذا المقال   4154 مرة
غلاف هذا العدد