إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

ممارسة الخيار العسكري
والحديث عن تسوية سياسية
روسيا تستعجل التوصل الى تسوية سياسية في سوريا تأخرت في الواقع سنوات. منطق الرئيس فلاديمير بوتين، بصرف النظر عن حساباته وأهدافه، هو ان الوضع صار ناضجاً لترتيب حل سياسي بعد طرد داعش من المدن والبلدات الى الصحراء، وصمود مناطق خفض التصعيد. وما تفاهم عليه مع الرئيس الايراني حسن روحاني والرئيس التركي رجب طيب اردوغان هو ان تصبح عملية استانة اساس عملية جنيف في مناخ عملية سوتشي. وما اتفق عليه مع الرئيس دونالد ترامب في البيان المشترك الذي تفاوض عليه مسؤولون اميركيون دروس على مدى أشهر ووضع عليه وزيرا الخارجية ريكس تيلرسون وسيرغي لافروف اللمسات الأخيرة في قمة دانانغ هو ان النزاع في سوريا ليس له حل عسكري.


وهذا بالطبع ما رددته واشنطن وموسكو وبكين وعواصم عربية وأوروبية منذ بدايات حرب سوريا التي صارت في السابعة من عمرها، من دون ان يمنع القوى الاقليمية والدولية وعلى رأسها روسيا وأميركا من الانخراط في الحرب. وهو أيضا ما نصت عليه قرارات مجلس الأمن وتفاهمات لوزان وفيينا. لكن الواقع ان اللعبة في حرب سوريا كانت ولا تزال سباقاً على الحل العسكري، أو أقله على تغيير موازين القوى على الأرض لفرض تسوية سياسية على قياس الوضع العسكري. وليس الدخول المباشر الروسي والأميركي والايراني والتركي في الحرب سواء تحت عنوان الحرب على داعش أو ضمن البحث عن النفوذ وتأكيد الادوار في الصراع الجيوسياسي على سوريا والمنطقة، سوى تعبير عن تعقيدات الصراع.


اذ لا شيء في سوريا اليوم هو ما كان عليه عام ٢٠١١ او يمكن ان يعود الى ما كان عليه. لا الحرب بقيت او حتى كانت في البدء، قتالاً بين طرفين سوريين: نظام ومعارضة. ولا التسوية لا تزال ضمن ثنائية نظام ومعارضة. دول وميليشيات وعصابات من نحو مئة بلد شاركت في القتال. وليس قليلا عدد القوى التي عمدت على توظيف داعش، بصرف النظر عن تبادل الاتهامات حول من وما صنع داعش. ولا تسوية ان لم تكن مبنى من ثلاث طبقات: طبقة محلية تضم كل اطياف الشعب او ما سماه بوتين شعوب سوريا، طبقة اقليمية تضم

ايران وتركيا والاردن والسعودية وقطر والى حد ما اسرائيل، وطبقة دولية تضم روسيا واميركا.

اميركا وروسيا تتنقلان مثل رقاص الساعة بين التفاهم والخلاف. واشنطن وانقرة على خلاف شديد حول الدعم الاميركي للكرد الذين يسيطرون حالياً على ٢٥% من مساحة سوريا، اذ يضعهم الاتراك في خانة القوى الارهابية. دمشق تعتبر القوات التركية والاميركية قوات احتلال وعدوان وموسكو متحالفة مع انقرة بعد قطيعة.
ولا احد يعرف تماما اين يبدأ التفاهم واين ينتهي الخلاف بين موسكو وطهران ثم بين ايران وتركيا. لكن الواضح ان ايران مصرّة على تحرير الرقة من الكرد وادلب من المعارضة، كما قال علي اكبر ولايتي مستشار المرشد الاعلى علي خامنئي وهو يجول في حلب بموازاة الدور الذي لعبة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليمان في تحرير البوكمال من داعش. وكان الرئيس بشار الاسد قد وعد منذ مدة بتحرير الرقة، وآخر ما اعلنه هو ان الحرب يجب ان تستهدف من يسعون لتقسيم الدولة واضعافها في اشارة غير مباشرة الى قوات سوريا الديمقراطية المطالبة بالفيديرالية، والترجمة العملية لذلك هي الذهاب في الخيار العسكري الى النهاية للوصول الى نوع محدد من الحل السياسي.


والقلم، مع الصاروخ، في يد الرئيس بوتين. لكن اعادة رسم الخارطة في سوريا ليست في يده وحده. فهو في حاجة الى دور ايران ووكلائها على الأرض، والى دور تركيا. وحين يصل الى التسوية وإعادة الإعمار، فانه يحتاج الى ارضاء أميركا والسعودية واسرائيل وأوروبا الى جانب ايران وتركيا. وكما تغير واقع النظام باضطراره للاعتماد على روسيا وايران عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، كذلك تغير واقع المعارضين الذين لعبت بهم القوى الإقليمية والدولية فوق ما لديهم من خلافات داخلية ونزعات فردية.
وما كان برنامج حل جذري في سوريا، ولا يزال هناك من يتمسك به من دون تكيُّف مع المتغيرات والظروف الجديدة، صار على أجندة موسكو مقتصراً على أمرين: البحث في دستور، والذهاب الى انتخابات نيابية ورئاسية. ومن الصعب القول ان الظروف نضجت حتى بالنسبة الى هذا النوع المحدد من التسوية السياسية.
    قرأ هذا المقال   669 مرة
غلاف هذا العدد