إختر عدداً من الأرشيف  
رؤوف شحوري

الغراب الاشقر
المعنى الحقيقي الصارخ للتصويت في الجمعية العامة للأمم المتحدة هو ان تسع دول في العالم فقط صوتت لمصلحة الولايات المتحدة الأميركية واسرائيل، وبينها مجموعة من الدول الميكروسكوبية المتناهية في الصغر وانعدام التأثير. أما الدول ال ٥٣ التي امتنعت عن التصويت فقد اختارت هذا الموقف لأسباب خاصة بها، ومن بينها دول تخوّفت فعلا من قطع المساعدات عنها من قبل الادارة الأميركية. في حين ان دولا أخرى امتنعت لأنها رأت انه ليس من الحكمة الوقوف في الحلبة في مواجهة ثور هائج! ودول أخرى ارتأت انه في مثل هذه الظروف الساخنة، من الأفضل الابتعاد عن الشرّ تبعا للقول المأثور ابتعد عن الشرّ وغنّي له! والعديد من الدول الممتنعة صوتت ضد ضميرها وضد اقتناعها بمظلومية الشعب الفلسطيني، وظلم قرار الرئيس الأميركي الاعتراف بالقدس عاصمة حصرية لاسرائيل، ومخالفته للقوانين الدولية، ولكن خانتها الشجاعة في اتخاذ الموقف الصحيح!
هي اهانة لا تنسى ثانية - على حدّ تعبير المندوبة الأميركية نيكي هايلي - تلقاها الرئيس دونالد ترامب، من الجمعية العامة للأمم المتحدة، بعد الاهانة الأولى التي تلقاها من مجلس الأمن الدولي قبل ذلك، ومن خلاله اهانة الى مكانة الولايات المتحدة الأميركية وسمعتها في العالم والتي لم تكن عطرة في الغالب! وهو أمر بات يعني الآن الشعب الأميركي والناخب الأميركي! ويواجه الرئيس الأميركي ترامب مأزقا جديدا بعد تهديده بقطع المساعدات عن الدول التي صوّتت لمصلحة المشروع الرامي الى سحب قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة

حصرية لاسرائيل ونقل السفارة الأميركية اليها. وكيف سيردّ على الدول الأوروبية التي وقفت ضدّ قراره في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة؟ وهل سيعتبر ان وجود أميركا في الحلف الأطلسي هو مساعدة أميركية لأوروبا، وينسحب من الحلف؟ أم انه سيعود الى مطالبة تلك الدول بدفع ما يتوجب عليها من نفقات الأطلسي والتي كانت أميركا تتحمّل أعباءها بالنيابة عنها؟!
ثم ماذا سيفعل ترامب وكيف سيتصرّف مع الدول الاسلامية والعربية التي صوّتت خلافا لتهديداته؟ ماذا سيفعل مع تركيا التي قام رئيسها رجب طيّب أردوغان بتوجيه عبارات جارحة الى ترامب والى السياسة الأميركية في الشرق الأوسط؟ وكيف سيتصرّف اليوم مع تركيا وهي عضو في الحلف الأطلسي، على الرغم من ان نصفها الآخر أصبح الآن في روسيا وفي عهدة رئيسها فلاديمير بوتين؟ والسؤال نفسه يطرح بالنسبة للدول العربية الحليفة لأميركا مثل مصر ودول الخليج وغيرها؟ والجواب عن كل هذه التساؤلات بسيط، وهو ان الرئيس ترامب يختلف عن كل من سبقه من الرؤساء في البيت الأبيض بأنه يتخذ قراراته وهو ينظر الى نقطة وحيدة فيها، وهي تلك المتعلقة بمصلحته الشخصية والخاصة، ولا ينظر الى عواقب تلك القرارات التي تتخذ أولا وأخيرا، صفة الارتجال! ما فعله الناخب الأميركي هو انه استبدل الغراب الأسود أوباما ب الغراب الأشقر ترامب، في البيت الأبيض!
    قرأ هذا المقال   260 مرة
غلاف هذا العدد