إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

الحكم أمام الأزمات والمحادل
كان الرئيس شارل حلو يشيد في خلال لقاءاته مع السياسيين بالوزير رضا وحيد، ويقول إنه الأب الروحي للضمان الاجتماعي، وهو مرجع أساسي في بناء الدولة اللبنانية. طبعاً، لم يكن أحد يعترض على أقوال الرئيس اللبناني الأسبق للجمهورية، لأن رضا وحيد ظل في السلطة عنواناً أساسياً لشرعية الحكم، لأنه، نادراً ما وافق على مخالفة ادارية أو سياسية...
وفي احدى الحقبات قال الرئيس شارل حلو إنه لو اقتدى السياسيون بخطط رضا وحيد، لكانت الادارة اللبنانية في سلام دائم، وعصيّة على الأخطاء المقصودة او البريئة، وأعطى مثالاً على أقواله ان الرئيس فؤاد شهاب أوصاه دائماً بجعل رائد فكرة الضمان الاجتماعي مثالاً يحتذى في معظم الدوائر الرسمية.
وهذا ما جعله يوصي خليفته سليمان فرنجيه، عندما أراد في بداية عهده تنفيذ الضمان الصحي ان يستعين بخبرة أبي الضمان، لأنه مرجع أساسي لهذا المرفق الصحي.
في الأسبوع الفائت، وفيما كانت البلاد تستعد للاحتفال بعيد الميلاد المجيد واستقبال السنة الجديدة، لاحظ بعض المراقبين، ان ظهور المناكفات على رقعة السلطة، لم تكن من طبائع رضا وحيد، وان شهادة الرئيسين فؤاد شهاب وشارل حلو فيه، كافيتان للاستغناء عن اي شهادة فيه.
وفي رأي شفيق الوزان في عهد الرئيس أمين الجميّل، ان رضا وحيد جعل الذين عاصروه يعترفون بأن السلطة قانون معطوف على دستور قائم، هو السلامة المطلوبة لكل عمل وطني. ولكل رغبة في تجويد العمل الحكومي.
ويقول المفكر السياسي رفيق ابي يونس ان عظماء العمل الاداري، يتعظون دائماً بما حققه فؤاد شهاب، لأنه كان يتكىء في مذاهبه على العلم، لا على ما هو شائع في الأعمال الادارية والسياسية.
وفي العام ١٩٥٨، عندما اتفق الرئيس الأميركي دوايت ايزنهاور على اسم فؤاد شهاب كرئيس للجمهورية اللبنانية مع الرئيس العربي جمال عبد الناصر، التقى ٣ جنرالات على التفاصيل: الرئيس المرشح للرئاسة اللبنانية. وكان قائدا للجيش في بلاده، والقائد السابق للجيش الاميركي، والقائد الجديد للجيش في الجمهورية العربية المتحدة المؤلفة من مصر وسوريا، على ان يتم الاجتماع التاريخي بين القادة الثلاثة في خيمة نصبت عند الحدود اللبنانية - السورية على ان يسود الحكم المدني لا العسكري السلطة الجديدة في لبنان الجديد الخارج من ثورة او فتنة.

وفيما كان الرئيس فؤاد شهاب، ينتظر هبوط المروحية العسكرية المقلّة للرئيس العربي، طلب الجنرال عبد الحميد السراج وزير الداخلية السوري من الجنرال اللبناني التقدم بضع خطوات لاستقبال المارد العربي، فرد بالاعتذار لانه عندما اختير للرئاسة كان جنرالا فيما كان الرئيس العربي برتبة بكباشي في الجيش المصري، ساعة وصوله الى السلطة.
وهذا ما وافق عليه عبد الناصر قبل سواه، لانه كان يدرك ان الادارة شيء والعمل السياسي شيء آخر.
طبعا، فان هذه الافكار راجت خلال الاسبوع الاخير، عندما راجت في لبنان ازمة سياسية بين الرؤساء الثلاثة العماد ميشال عون، الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري، حول اعطاء سنة اقدمية لضباط، يعتبر رئيس الجمهورية انهم بحاجة الى الانصاف باعطائهم هذه السنة، التي تعتبر نصف حقهم، من دون الحاجة الى توقيع وزير المال علي حسن خليل، بذريعة ان الاقدمية لا ترتب انفاقاً مالياً على الدولة، يتطلب موافقة وتوقيع وزير المالية، كما هو وارد دستوريا، الامر الذي تمت الموافقة عليه بتوقيع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.
الا ان رئيس مجلس الوزراء طلب من الامين العام لرئاسة مجلس الوزراء تجميد نشر المرسوم، بعد اعتراض رئيس مجلس النواب عليه، لان اتفاق الطائف نصّ على وجوب توقيع وزير المالية على اي مرسوم.
طبعا، ايضا، ان هذا الامر ينتظر تسوية سياسية على الامور العالقة باعتبار ان توافق رئيس الجمهورية مع رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء اساسي لسريان التوافق بين اركان السلطة، والا انهار الاتفاق القائم بين الثلاثة.
ولعل من مبررات هذا الإتفاق هو قرب تحقيق الإنتخابات النيابية المقررة حسب قرار وزير الداخلية نهاد المشنوق في السادس من أيار/مايو المقبل.
والأوساط السياسية تضمر نيات سياسية غامضة حول مستقبل التعاون بين رئيس الجمهورية من جهة وبين رئيس البرلمان ورئيس الحكومة من جهة أخرى. والسائد ان التوافق بين الرئيس الأول والرئيس الثالث هو أقوى من تحالفهما مع الرئيس الثاني، مما يجعل السيبة الثلاثية غير مضمونة في العهد المقبل، وان ثمة شكوكاً بأن الرئيس بري له حساباته المغايرة لحسابات الآخرين.
وفي الأفق السياسي أن كل رئيس من الرؤساء الثلاثة، يفكر برفاق له في السلطة يوافقونه على ما يريد في معظم الأمور، ما يجعل الحكم في حسابات المصالح السياسية، خصوصاً وأن المجلس النيابي قد جرى له التمديد مرتين.
وفي المعلومات ان الظروف السياسية التي نشأت بعد الإنتخابات الرئاسية، قد تغيّر بعض فصولها عقب الأزمة التي رافقت علاقات حلفاء رئيس الوزراء مع جهات عربية معروفة.
الا ان خلط الأوراق والحلفاء على أبواب الإنتخابات المقبلة، لا يمكن التكهن بصحته، وسط القانون الجديد للإنتخاب، وعزم النواب على اعادة النظر في القانون الجديد للايجارات، وهذا ما يجعل الخارطة السياسية معرّضة للتغيير والتجديد خلال الأشهر الستة المقبلة.
    قرأ هذا المقال   266 مرة
غلاف هذا العدد