إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

اللبنانيون في العيد: يتفرَّجون ولا يشترون!
إغراءات التجار بالزينة والأضواء لا تعوّض القدرات الشرائية المتقلّصة
المسار الحالي للوضع المعيشي في لبنان سيقود إلى أن يكون أكثر من ٦٠% من الشعب اللبناني تحت خطّ الفقر. يكفي هذا التحذير الذي أطلقه العديد من الخبراء الاقتصاديين في الأشهر الأخيرة، وكرّره رئيس الاتحاد العمالي العام قبل أيام، ليقرع ناقوس الخطر بكارثة ربما يقترب منها المجتمع اللبناني، فيما السياسيون غارقون في صراعات حول جنس الملائكة في السياسة، أو منازعات لاقتسام ما بقي من الجبنة في هذه الدولة أو ما يمكن تحصيله من جبنة في السنوات الآتية.
لقد سئم اللبنانيون كل الوعود، ويكادون يكفرون بكل شيء أمامهم وبالذين كلفوا أنفسهم إدارة شؤون البلد بالطريقة التي تدار فيها اليوم. فهم لا يجدون إلا اتهامات من هنا وهناك بالفساد والتركيبات المبهمة، ولا يعرفون إذا كانت هذه الاتهامات صحيحة أم لا، خصوصاً أنهم يسمعون بملفات تحال إلى القضاء أو أجهزة التفتيش أو المحاسبة أو المراقبة، لكن الصمت يعمّ كل شيء، ولا يمكن معرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
وفي العادة، تكون فترة الأعياد ومناسبة انقضاء عام ومجيء آخر، فرصة لإجراء جردة حساب وللتأمل. ومع هذه الأعياد، ينظر اللبنانيون إلى ما حولهم محاولين العثور على بقعة ضوء في النفق. يفكرون في انتخابات تغيِّر المجلس النيابي الذي يمدد لنفسه، وهو المقيم سعيداً منذ العام 2009، فيستنتجون أن التغيير مجرد سراب. فإذا لم يكن الطاقم السياسي الحالي مطمئناً إلى أنه سيمسك تماماً بالمجلس النيابي المقبل، فهو سيعمد إلى التمديد لنفسه مرة أخرى، ولا أحد قادر على منعه من ارتكاب أي تجاوز للقانون أو الدستور. فالبلد أسير. ولا صوت يعلو فوق صوت المصالح المشتركة. وإزاء كل هذا، لا يستطيع المواطن أن يطمح إلى أي تغيير. فقانون الانتخاب مدروس ليكون على القياس.

وأما اللقمة فتصبح أكثر صعوبة. ولولا مبادرات مصرف لبنان لضبط وضع الليرة وحماية القطاع المصرفي لكان لبنان في مأزق مالي- اقتصادي مقلق. ويكفي أن يدرك السياسيون ما يتسببون به اليوم، في الأزمة السياسية، من مخاطر على القطاع النقدي عبَّر عنه الارتفاع اللافت في الفوائد والإقبال على الدولار، واللذين وضع مصرف لبنان ثقله لضبط مفاعيلهما.
وفي الأعياد اليوم، هناك أضواء تملأ الشوارع وزينة وأصوات أغنيات ملؤها البهجة والسرور. فاللبنانيون بطبعهم يحبون الحياة ويتقنون الفرح ويناضلون في مواجهة الصعاب. ولذلك، هم يفتحون أبواب متاجرهم ويشجعون الناس بتنزيلات في ذروة الموسم، ويفعلون ذلك أيضاً في المطاعم والفنادق. وفي المطار مبادرات أيضاً. ولكن، هناك قفزة نوعية تستلزم خطة مدروسة على المستوى الرسمي للنهوض والتقدّم، ولا أحد في الدولة له متسع من الوقت لينجزها.
قد يقال، ليس مناسباً إطلاق العنان للشكوى في أجواء الأعياد التي يجب أن ينسى فيها الناس مشكلاتهم. ولكن، يكون هذا الأمر صحيحاً عندما يكون المسؤولون منشغلين بقضايا الناس كل أيام السنة. عندئذٍ يحق للجميع أن يرتاحوا من الشكوى في العيد. وأما في لبنان، فالمسؤولون في حال نسيان دائم. فهل يتذكرون الناس في الأعياد!

الحركة في الحمرا
ارتدى شارع الحمرا، أحد أعرق الشوارع البيروتية في مجال التسوّق، حلّة العيد الزاهية. وتزيّنت واجهات المحلات بأرقى وأحدث المويدلات من الثياب، في ظل تخفيضات بلغت حدوداً غير مسبوقة، لعلَّ الجمود الاقتصادي ينكسر نوعاً ما، فيتمكن الزبائن المتفرّجون من التبضع... ولكن!
هناك زحمة سير دائمة في هذا الشارع، توحي بأن كل شيء على ما يرام. لكنها في الحقيقة لا تعكس واقع التجّار، ولا تعوّضهم الخسارة عاماً تلو آخر. ويقول هؤلاء: بين انعدام القدرة الشرائية لدى فئات كبيرة من اللبنانيين الذين باتوا يتجاهلون الكماليات ويكتفون بالأساسيات، وغياب السيّاح للأسباب السياسية الأخيرة التي شهدتها الساحة اللبنانية، تكاد تنعدم حركة الأسواق.
حاول التجّار أن يهبطوا بأسعارهم إلى مستويات قياسية، لعلهم في موسم عيد الميلاد ورأس السنة يعوضون الخسائر المتراكمة. لكن الحركة التجارية بقيت معدومة. وكما يقول أحد روّاد الشارع، الأسواق مليئة بالملابس الراقية لكن الجيوب فارغة والوضع اكثر من سيىء، وبهجة العيد تقتلها المعيشة الصعبة وتآكل القدرة الشرائية. فالناس يرغبون بشراء الملابس والهدايا، ويبحثون عن الأسعار الأكثر انخفاضاً، لكنهم يصطدمون بأن متطلبات التسوق تفوق قدراتهم التي تتراجع عاماً بعد عام.
ويقول رئيس جمعية التجّار في الحمرا، زهير عيتاني، إنّ معدل البيع منخفض جداً على رغم التحضيرات الجدية للموسم. والمؤسّسات والتجار يعانون الإحباط لعدم وجود بوادر خير متعلّقة بالتبضّع والشراء، وهذا الامر يؤدي الى ما لا تُحمد عقباه في ظل غياب الجانب السياحي لعدم وجود سياح في لبنان للاسباب السياسية. ولكنه يأمل أن تشهد الأسواق حركة جيدة لإنصاف التجّار وتعويض ما خسروه، فتكتمل فرحة العيد لكلٍ من التاجر والزبون. ويطالب عيتاني المعنيين بخطة إنقاذية لاستقطاب السياح، تُحرك العجلة الاقتصادية وتكسر الركود.
بعض التجار يحذّر من خطورة استمرار الوضع على ما هو عليه، لأنه قد يؤدي الى إقفال العديد من المؤسّسات التجارية، بسبب انعدام القدرة الشرائية لدى مجموعات واسعة من اللبنانيين، الذين اصبحوا يقدّسون الأساسيات ويتجاهلون الكماليات، إضافة الى الوضع العام السلبي في كل لبنان وفق المؤشرات الاقتصادية كافة.

سوق مار الياس
بدوره، يشير رئيس تجار سوق مار الياس عدنان فاكهاني إلى أن هناك حركة للزبائن في الأسواق من دون شراء بعد الازمة التي مر بها لبنان إثر استقالة الرئيس سعد الحريري. وبعد العودة عن الإستقالة ارتاحت الأسواق لكن بقي الشراء دون المستوى المطلوب. وكنا نأمل خلال فترة الأعياد أن نشهد حركة أكثر في الأسواق، لكن الوضع المادي لدى اللبنانيين يبقى صعباً، مع انعدام مجيء المغتربين والخليجيين للتبضع في أسواق بيروت. ويلفت إلى أن حجوزات الفنادق الكبيرة لا تنعكس على أسواق بيروت لأنها تبقى حجوزات لفترة قصيرة لا تتعدى ال5أيام، خلال الأعياد في لبنان، رغم الأمل والتفاؤل في أن تتحرك الأسواق أكثر في الأيام المقبلة.
ويشير فاكهاني إلى التخفيضات في الأسعار التي تشهدها الأسواق في لبنان من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، ولا حركة سياح تذكر في الأسواق وتبقى متواضعة جداً. ويؤكد أن إقامة المهرجانات وتزيين سوق مار الياس هدفه جذب السياح واللبنانيين الى السوق، ففي الأيام الصعبة خلال الحرب كان مار الياس يتزين. والعروض والهدايا موجودة، لكن الحركة تبقى خفيفة. وهناك محال تجارية كثيرة تقفل أبوابها اليوم لأنها لم تعد تحتمل التكاليف الباهظة في غياب الأرباح الكافية.

... والمتن والحدت وزحلة
هذه الأجواء تعيشها أيضاً أسواق المتن، ولا سيما الجديدة وبرج حمود والزلقا حيث ترتفع الأصوات بالشكوى من تضاؤل الإقبال على الشراء.
وفي الحدت يلفت رئيس تجار البلدة أنطوان عبود إلى أنّ حركة الأسواق لا تشهد تبضعاً، ولا أرباحاً تذكر، على رغم خفض الأسعار الهادف إلى تسويق كل البضائع. ووصلت التنزيلات إلى ما نسبته ال ٧٠% حتى قبل الأعياد. فاللبنانيون يعانون نتيجة ارتفاع الأقساط المدرسية وكلفة المعيشة.
ويضيف: لا سياح في أسواق بيروت. وكنا ننتظر مجيء السياح الخليجيين لنراهم في الأسواق، لكن ذلك لم يحصل، رغم الحجوزات في الفنادق وشركات الطيران. ومع رفع الفوائد في المصارف اللبنانية يرغب اللبنانيون أكثر اليوم في الحفاظ على تلك الأموال وعدم صرفها في الكماليات من ثياب وحاجيات أخرى.
ويشير عبود إلى أن التاجر اللبناني يصطدم بخسائر كثيرة لا أحد يعوضها، مع ضرائب كثيرة يجب ان يدفعها وإيجارات ضخمة وموظفين يجب أن يدفع لهم أجورهم. وظروف البلد تعاكس التجار اليوم. والمواطنون يعانون نتيجة أزمات أقساط المدارس والجامعات والإيجارات.
ويعبّر تجار زحلة عن شكواهم أيضاً، آملين في أن يتحسن الوضع في الأيام المقبلة من العيد.

الفنادق أفضل حالاً
وأما في ما يتعلق بالفنادق، فقد أعلن الأمين العام لاتحاد النقابات السياحية جان بيروتي أن نسبة الإشغال الفندقي تتراوح في الوقت الراهن بين 60 و65 في المئة، آملاً أن تزداد في الأيام المقبلة مع استقرار الوضع السياسي وبدء مجيء اللبنانيين المنتشرين إلى بلدهم الأم لتمضية عطلة الأعياد فيه.
وأوضح أن المهلة الزمنية للإشغال الفندقي تتراوح عادة بين يوم وأربعة أيام، بينما تجاوزت في السابق العشرة أيام حيث تشمل عيديّ الميلاد ورأس السنة. وتوقع نسبة إشغال كاملة في رأس السنة، مذكّراً بأن هذا النمط موجود منذ عشرات السنين بغض النظر عن التطورات السياسية والأمنية، لأن اللبنانيين معروف عنهم حبّهم للحياة والسهر، خصوصاً في مثل هذه المناسبات.
وأما رئيس نقابة مكاتب السفر والسياحة جان عبود فكشف أن شركات الطيران بدأت بزيادة عدد رحلاتها إلى لبنان، وسيّرت رحلات إضافية إلى العراق بعدما اكتملت الرحلات الآتية إلى لبنان من تاريخ 15 كانون الأول/ديسمبر وحتى بدء العام الجديد. وأكد أن الرحلات في غالبيتها للبنانيين المنتشرين في العالم، لا سيما العاملين في منطقة الخليج.
وفي قاعة الوصول في مطار رفيق الحريري الدولي، أقيم إستقبال خاص للسياح والمسافرين العرب والمغتربين الذين صودف وصولهم، يوم الأحد 24 كانون الاول/ديسمبر و30 منه، برعاية وزارة السياحة، لمناسبة عيدي الميلاد ورأس السنة.

موسم الثلوج
في المحصلة، الحجوزات السياحية المتوافرة حتى الآن مقبولة في الأعياد، وخصوصاً ليلة رأس السنة. ولكن تأخر تساقط الثلوج حتى اليوم والأجواء السياسية لهما تداعيات سلبية على قطاع الفنادق، على رغم أن رئيس اتحاد النقابات السياحية بيار الاشقر أوضح أن الحجوزات هذا العام أفضل مما كانت في العام الماضي، لكنها لا تزال دون طموحاتنا وقدراتنا، لأن حوادث عدم الاستقرار في المنطقة لا تزال ترخي بثقلها على القطاع.

ماذا بعد السريان الكامل للسلسلة؟
ويحذر البعض من ارتفاع إضافي في أسعار السلع مع مطلع العام الجديد، بعد اكتمال سريان سلسلة الرتب والرواتب. ويقول رئيس جمعية حماية المستهلك زهير برو: تابعنا الأسواق اللبنانية منذ 15يوماً، ويمكن القول أننا لم نلمس تغييرات جدية في الأسعار حتى الساعة. ولكن نعتقد أن هذا الأمر سيحدث خلال الأيام المقبلة، أي في الأسابيع الآتية التي تلي رأس السنة، وذلك حين سيتم البدء بتطبيق الرسوم التابعة الى سلسلة الرتب والرواتب والضرائب التي وضعها المجلس النيابي. وعندها على الأرجح سنشهد ارتفاعاً في الأسعار وتضخماً، خاصة أن هذه الزيادات رافقتها هندسة مالية ورفع في معدلات الفوائد. وبالتالي سوف يمتص السوق هذه الترتيبات الجديدة، ليبقى المستهلك الحلقة الأضعف في الاقتصاد اللبناني.
وعما إذا كان الاقتصاد اللبناني سيتجه نحو أزمة استهلاكية، قال: بالطبع، فالاستهلاك قد سجل اليوم تراجعاً بشكل عام، وذلك بفعل الأزمة السياسية التي مرت على لبنان. مع العلم أن الوضع السياسي متجه نحو الأفضل، وهذا النوع من الاستقرار تم تثبيته.
ويبقى الكلام على سنوات آتية، يعمها الازدهار بعد سنوات عجاف، بسبب تحويل لبنان إلى دولة نفطية أو الحصول على مساعدات وقروض من المجتمع الدولي والدول المانحة، مجرد سمك في البحر حتى اليوم... أو غازٍ في البحر!
ومن خلال التجارب والوعود المزمنة، من سنوات طويلة، لا يطمح اللبنانيون إلى تحقيق الكثير من الانفراجات. لقد جربوا حتى اليوم أن يصدقوا ما وعدوهم به. ولكن، لا وصلت الكهرباء 24 ساعة على 24 كما قيل، ولا توقف الفساد المستشري في كل أركان المؤسسات، ولا دور بات فاعلاً للقضاء ومؤسسات الرقابة، ولا البنى التحتية والمشاريع تحركت، ولا حياة المواطن انتقلت إلى وضع أفضل، لا في الأستشفاء ولا التعليم ولا السكن ولا سواها... فيما مؤسسات القطاع الخاص تتعثر، والبطالة بلغت أرقاماً مخيفة، والعمال الأجانب يبتلعون الفرص من أمام الشباب اللبنانيين الذين ما زالوا يتقاطرون أمام أبواب السفارات ليحصلوا على تأشيرة تفتح لهم باب العمل... والهجرة!
    قرأ هذا المقال   5087 مرة
غلاف هذا العدد