إختر عدداً من الأرشيف  
فؤاد دعبول

الرأي السليم يصنع المجلس الجديد!
قبل رحيله الى العالم الآخر، أنجز الوزير السابق فؤاد بطرس، مشروع قانون جديد للانتخابات النيابية، ووضعه الى جانبه، وقال لمرجع سياسي في البلاد، ان اعضاء اللجنة الوطنية للقانون، مؤهلون لتنفيذه، اذا غادر الحياة من دون بلوغ هذا الامل.
سأله سياسي عريق، عن سبب يأسه وقنوطه، فأجاب بأن هناك سببين لذلك، الأول لان القانون الاكثري الموجود منذ ستينات القرن الماضي لم يغير فيه أحد حرفاً واحداً. ولأننا في اللجنة حاولنا التوفيق بين القانون القديم، وبين تطلعات الاجيال الجديدة الى القانون النسبي، ولا أعرف بعد ما اذا كان رواد التجديد سينجحون في التوفيق بين التجديد والقديم ليصبح في البلاد قانون عصري وحديث.
رحل فؤاد بطرس وظل التجديد أملاً يراوده، لكنه كان يعتقد ان عضو اللجنة زياد بارود سيكون أميناً على الوعد الذي يضعه للناس أمانة بيده وبأيدي زملائه اعضاء اللجنة الآخرين.
وفي بداية عهد الرئىس السابق للجمهورية العماد ميشال سليمان، جرى اختيار زياد بارود وزيراً للداخلية والبلديات، واعتقد الناس، أن سبب هذا الاختيار هو وصية فؤاد بطرس.
الا انه بعد ذلك طلعت الحكومة الراهنة بقانون جديد، تنفيذاً لوعد قطعه رئىس الجمهورية العماد ميشال عون، يشبه في بعض فقراته القانونين السابق والجديد، لكنه لا يشبه القانونين الاكثري والنسبي بل هو مزيج من مشاريع قوانين كانت متداولة بين السياسيين، اي بين النسبي والاكثري والقانون الارثوذكسي الذي وضعه النائب السابق لرئيس مجلس النواب ايلي الفرزلي وبعض اركان اللقاء الارثوذكسي.

الا ان القانون الجديد جرى اقراره بكثافة نيابية في اللجان النيابية وفي الجلسة العامة لمجلس النواب، وستجرى الانتخابات المقبلة في السادس من ايار/مايو على اساسه.
والمراقبون السياسيون يصفون القانون الجديد بأنه صعب، ومعقد، لكن التغيير واجب، بعد ان ضاقوا ذرعاً بالقانون الاكثري.
بعد اقرار اتفاق الطائف وبدء عصر الوصاية على لبنان، كان حشد من السياسيين، يجلسون في بوسطة كانت تقلّهم من عكار الى بيروت، قال احد السياسيين ان امامنا عيّنة من النواب الجدد، اوفدتهم الوصاية الى العاصمة، للمجيء بنواب الى البرلمان واستطاعت الوصاية تحقيق المعاكس للاتفاق، فجعلت الشمال كله دائرة انتخابية واحدة، وقسمت محافظة البقاع مجموعة دوائر... وهكذا خلقت برلمانا على ذوقها. ويومئذ قاطع الانتخابات المذكورة معظم السياسيين الاحرار وفي مقدمتهم الشيخ بطرس حرب وموريس فاضل ودوري شمعون ونصري المعلوف وميشال ساسين.
الا ان السياسيين ممن غابوا عن الحياة، وممن لا يزالون يعملون في السياسة، أدركوا ان المقاطعة لم تجد نفعاً، ولا بد من المواجهة بأساليب أخرى غير المقاطعة، تؤدي الى أمرين اساسيين، التحرر من النفوذ الغريب، وتغيير الطقم السياسي الراهن المهيمن على البرلمان وعلى الوجود السياسي.
هل بالامكان، بعد خروج الوصاية من البلاد، وفي ظل النظام الانتخابي الجديد تحقيق ما يصبو اليه المواطنون من تجديد في الحياة السياسية؟
الجواب ان السؤال دقيق لكنه غير مستحيل التحقيق، لان القانون الانتخابي الجديد، يمكن تطويره في المستقبل كما يمكن ايضاً، وهو الاقرب منالاً، التحديث باعتباره ينص على أمرين أولاً، هو تخصيص صوت تفضيلي في كل قضاء وتوسيع حجم الاقضية الانتخابية، واعتماد حاصل انتخابي يحدد نسبة حصة كل لائحة للوصول الى النتيجة الانتخابية التي تؤهل للصعود الى مرتبة الفوز بين المرشحين.
لا احد يعرف حتى الان، سر اعتماد صوت تفضيلي واحد، في كل دائرة، لا صوتين، لكنه يعكس ان السلطة الاجرائية، أحجمت عن ذلك، لانها، كما يقول كثيرون لا تريد ان تفقد السيطرة على النظام الانتخابي، كما ان تقسيم الدوائر الانتخابية يكرس محدودية التغيير ويجعل السلطة قادرة على الترويج لمرشحين يكونون من العاملين لحسابها لا لتقوية نفوذ المرشحين او النواب المعارضين، لان المعارضة تكون احياناً اقوى من السلطة، كما كان يحدث في اواخر العهد الاستقلالي الاول.
ولذلك، عندما أراد الرئيس فؤاد شهاب الاستقالة، للمرة الاولى، من رئاسة الجمهورية اوفد الرئىس ناظم عكاري الى الرئىس السابق بشارة الخوري، الى منزله في الكسليك ليضعه مسبقاً في اجواء ما يزمع على المبادرة اليه.
صحيح ان بشارة الخوري رفض التوجه الموجود عند الرئيس شهاب، لكنه قاد الحملة المعاكسة لرأي رئىس الجمهورية، وقال صراحة لمعظم السياسيين ان بقاء فؤاد شهاب، هو بقاء للبنان ولسياسته المستقلة وجيشه القوي.
كان شارل حلو، الرجل الذي اختاره فؤاد شهاب لخلافته، يقول ان سلامة العهود تكمن في الحفاظ على أمرين: رجال سياسة اقوياء في قرارهم، ونظام سياسي سليم في توجهاته الى الناس.
    قرأ هذا المقال   1720 مرة
غلاف هذا العدد