إختر عدداً من الأرشيف  
جعبة سعيد فريحة

أحْلى العُمْر
يخطىء الذين يظنون ان الشباب هو احلى العمر.
ويخطىء ايضاً الذين يظنون ان الشباب ليس احلى العمر.
وقد تسألني حلاً لهذا اللغز، فاقول: خذني بحلمك... انا نفسي لا ازال اتلمس الحل للغز او لمشكلة احلى العمر: هل هو الشباب، ام ما بعد الشباب، ام ما قبله!
ان الشيخوخة، على كل حال، ليست احلى العمر، بل قد تكون ارذله واشقاه، وخاصة اذا اقترنت بنوبات السعال الديكي والحمى الصخرية.
لذلك تمنيت ان يجنبني الله هذا النوع من الشيخوخة لاوفر على نفسي، وعلى غيري العذاب.
واي مصير، في نظري، افضل من قعدة الفراش مدة طويلة اشكو خلالها الاوجاع والانحلال، ثم اطلب من شريكة الحياة، بين حين وآخر، ان تأتي بالطاسة وتغلق الباب!
واعتقد ان هذا الذي كان يحدث ايام زمان لمعظم المتقدمين في السن، اصبح نادراً في هذا العصر بفضل تقدم العلم والطب، وفضل وجود مستحضرات وفيتامينات خاصة، على ما يقال، تجنب الشيخوخة شر المرض وذل الوهن.
ومن جهة ثانية، فان اسباب الرحيل عن الدنيا تعددت وتطورت، فلم يعد انسان العصر يرحل بعد علل واوجاع وطاسة تروح وطاسة تأتي وباب يغلق على الذلين: ذل الجسد وذل النفس.

صار الرحيل، غالباً، يتسم بطابع المفاجأة والسرعة وخفة الظل. وذلك عن طريق سكتة، او انفجار، او اصطدام سيارة، او سقوط طائرة، او محاولة انقلاب، او اغنية: يمّا القمر عالباب... وكل هذا محزن ولا ريب. ولكنه يظل ارحم من قعدة السرير، والعذاب المرير!
واعود الى احلى العمر فاقول ان بين الناس من يعتقد انه سن المراهقة، على اعتبار ان المراهق اشبه بعصفور صغير وجد نفسه فجأة يطير بجناحين كوالده مثلاً... وينتقل من غصن الى غصن، ومن ثمرة طيبة الى ثمرة اطيب فيسعد بدنياه الجديدة الخالية من الهم والغم والمسؤوليات، ويعتز كل الاعتزاز بنفسه لانه اطل على رحاب احبها وضاع فيها.


ومن الناس من يعتقد ان احلى العمر هو الشباب، لانه القوة، ولانه الامل والطموح، ثم انه يصلح لجميع الحالات: للحب، للزواج، لانجاب الاطفال، للنط على الحبال، لتسلق النوافذ، لخوض المعارك، لغزو الكروم، لسرقة العنب، لاكل العناقيد حبة حبة، او حبتين حبتين، او دفعة واحدة... تحسباً للواشي ويقظة الناطور!


ومنهم من يعتقد ان احلى العمر هو ما بعد الشباب، اي الكهولة الشابة الزاخرة بالنضوج والتجارب ودفقات الحنان. ويشبه بعضهم الكهولة بالخمرة المعتقة التي تنعش ولا تسكر، وتدني من الاحلام بدون ان تقصي عن الواقع. ويشبهونها ايضاً بقطرات الندى التي تتساقط على براعم الورد برفق ورحمة وصمت، فتنعشها وتفتحها بدون ان تؤذيها، بعكس المطر الذي يتساقط بقوة وضجة فيؤذي، في احيان كثيرة، الورد وبراعم الورد!


يتبع
    قرأ هذا المقال   1709 مرة
غلاف هذا العدد