اصداء كشف جريمة الموساد باغتيال محمود المبحوح
الامارات بقيادة الشيخ خليفة بن زايد
قدمت مثالاً في الامن والتقدم أدهش العالم
الدول العظمى لا تكون باحجامها فقط بل بقياداتها اولاً. وأثبتت دولة الامارات العربية المتحدة وتثبت كل يوم انها دولة عظيمة بقيادتها ممثلة بالشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وبرؤاه التي جعلت الدولة متقدمة في كل شيء تقريباً... في الخدمات العامة لاسعاد الشعب، وفي تمكين أسس الدولة ذات السيادة والمزودة بكل امكانات حمايتها، وفي التطلع الى المستقبل والاستعداد له منذ اليوم، كما تم في موضوع الطاقة المتجددة. وتثبت دولة الامارات العربية المتحدة اليوم المستوى المتقدم جداً في مجالات الأمن الذي أثار الدهشة والاعجاب معاً في العالم بعد النجاح المذهل في الكشف على تفاصيل الجريمة الارهابية المعقدة التي نفذها الموساد الاسرائيلي في دبي وذهب ضحيتها القائد الفلسطيني محمود المبحوح، وما ينطوي عليه هذا الامر ليس فقط من الكفاءة العالية لأجهزة الامن في الدولة، والتجهيزات المتقدمة المزودة بها، وانما ايضاً الشجاعة السياسية والاخلاقية التي دعت الى كشف هذه الجريمة النكراء بكل ابعادها وتفاصيلها.
العملية الامنية الاسرائيلية ضد قيادي في حركة حماس في دبي قد تضع حدا لمرحلة الهدوء التي عاشها الصراع الامني الاسرائيلي - العربي وتحديدا الفلسطيني. فبهذه العملية اقدمت اسرائيل على تغيير قواعد اللعبة، بعد ان كانت سادت لاكثر من عقدين ونصف تفاهمات على انكفاء الصراع الامني من الساحات الدولية والاقليمية الى الساحات الداخلية التي يتأجج عليها الصراع العربي الاسرائيلي منذ ما بعد اتفاقات كمب ديفيد ومن ثم مؤتمر جنيف وما تبعه من اتفاقي اوسلو ووادي عربة. ولا شك في انه عندما اقدم جهاز المخابرات العسكرية الاسرائيلي على اغتيال المجاهد الفلسطيني القيادي في حركة حماس محمود المبحوح في عاصمة الاعمال الشرق اوسطية دبي كانت القيادة السياسية الاسرائيلية على علم بالعملية، وتمت بموافقة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، لذلك فان القرار ليس قراراً أمنياً فحسب
بل هو قرار سياسي، بتغيير وجه الصراع في المنطقة من الوجه العسكري الى الوجه الامني. وهذا الانقلاب في طبيعة المواجهة. لا يحصل الا اذا كان المطلوب تحقيق هدفين اثنين هما:
١ - اقتناع القيادتين العسكرية والسياسية في اسرائيل بالعجز عن مواجهة قوى المقاومة في المنطقة، وتحديدا المقاومة اللبنانية ومقاومة حماس في قطاع غزة المحاصر. وذلك في ضوء تجربة حربي تموز - آب، يوليو/اغسطس ٢٠٠٦ ضد لبنان، وحرب غزة في ٢٠٠٨، حيث خرج الجيش الاسرائيلي من الحربين من دون تحقيق اي هدف، من الاهداف التي كانت معلنة. واذا كان الغرب غير قادر على تقديم العون لاسرائيل في الحرب العسكرية، كما ثبت في ٢٠٠٦ و ٢٠٠٨، عبر الدخول مباشرة في الحرب الى جانبها، فانه في الحرب الامنية قادر حتما على تقديم العون التام، استخباراتيا، وتسهيلات لوجستية، تنقلات وجوازات سفر، وغطاء سياسي ودبلوماسي.
٢ - الهدف الثاني الذي يمكن ان يحققه الانتقال الى الحرب الامنية، هو قطع الطريق على وقوع مواجهة عسكرية اقليمية سواء أكانت محدودة مع سوريا، أم في حال امتدادها لتشمل ايران وقوى المقاومة العربية.
ويبدو ان محاذير وقوع مثل هذه الحرب عديدة، واخطرها الحضور الاميركي في المنطقة، وتحديدا مواقع انتشاره في منطقة دول الخليج العربية، لان الحرب الاقليمية، التي لا تقتصر على سوريا، لن تكون اسرائيل وحيدة فيها، وبالتالي اذا جرت الولايات المتحدة الاميركية اليها، فان القوات الاميركية في الخليج ستدفع ثمن المبادرة الاولى، وستكون هدفا لكل انواع الاسلحة، خصوصا انها ستجد نفسها، فجأة، في بيئة معادية.
السؤال الاساسي اليوم هو: هل كان اختيار اسرائيل لامارة دبي في دولة الامارات العربية المتحدة، لتنفيذ اول عملية امنية اسرائيلية خارج نطاق ساحة الصراع؟
الجواب على هذا السؤال قدمته الامارة، التي اصر حاكمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على نقاء التحقيق الذي احاط بهذه العملية، وعلى كشف كل تفصيل من تفاصيلها الكبيرة والصغيرة، بدءا بطريقة الاغتيال، وصولا الى تشكيل فريق الاغتيال، الذي لاحقته اجهزة الامن في دبي الى الديار الفلسطينية المحتلة، وكشفت اسماء الذين شاركوا في عملية الاغتيال وعددهم، والدول التي حملوا جوازات سفرها ودخلوا بموجبها الى الامارة - ومن اين اتى كل منهم، من اية عاصمة وعلى طائرات اية شركة من شركات الطيران. الى ان اكدت الاجهزة الامنية الاماراتية بان كل الذين دخلوا الى دبي لاغتيال المبحوح اصبحوا داخل الكيان الاسرائيلي.
كيف اغتيل المبحوح
وفي التاسع عشر من شهر كانون الثاني / يناير الماضي غادر المبحوح دمشق الى دبي على الرحلة إي. كي ٩١٢ لاحدى طائرات شركة طيران الامارات، وتم تعقبه من قبل المخابرات الاسرائيلية، منذ ان استقل الطائرة، وعندما وصل الى مطار دبي، تبعه رجلان من المخابرات العسكرية الاسرائيلية الى الفندق الذي كان حجز لنفسه غرفة فيه.
وعبر اتباع الوسائل المخابراتية اختار الجواسيس الاسرائيليون لحظة تنفيذ العملية، ودخلوا غرفة المبحوح قبل ظهر يوم الاربعاء ٢٠ كانون الثاني/يناير بطريقة غير مشبوهة، وحقنوا القيادي الفلسطيني بمادة سامة تؤدي الى الوفاة بالسكتة القلبية. وقبل مغادرة الغرفة، عمدوا الى تصوير كل المستندات الموجودة في حقيبته، ومن ثم وضعوا على باب الغرفة اشارة لطفا عدم الازعاج وغادروها.
بقيت جثة الشهيد في غرفته في فندق البستان روتانا الى ان اكتشفها بعد ظهر ذلك اليوم نفسه موظف في الفندق. وجاء الى الغرفة على الفور، فريق طبي محلي واجرى فحصا للجثة، ولم يجد الفريق اية علامات مريبة عليها، فتم تشخيص الوفاة بانها كانت نتيجة لسكتة قلبية. ولكن عينات من الدم ارسلت الى فرنسا لفحصها في مختبرات متخصصة في باريس. وجاءت النتيجة بعد تسعة ايام، لتكشف عن وجود اثار لمادة سمية. فسارعت حماس الى اتهام اسرائيل بأنها تقف وراء عملية الاغتيال هذه.
الخطأ الاسرائىلي
امارة دبي ليست كتلك الدول التي تقيم اعتبارات للتكتم على الملفات الأمنية، ولو شاءت لما امكنها ان تستجيب للضغوط التي تمارس في مثل هذه الحالة لعدم كشف ملف العملية بتفاصيله. فعندما اخذ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم هذه الامارة الى مستقبلها الاستثماري والاقتصادي، كان يعرف تماما مدى حساسية الاستثمارات للنواحي الأمنية، وهو يعلم بالدراسة وبالتجارب القائمة في العالم ان رأس المال جبان، وذا حساسية فائقة تجاه الخلل الأمني. لهذا يبدو كم كان دقيقا بناء وتدريب جهاز أمني قادر على كشف عملية بهذه الدقة وبهذا الاتقان في ساعات قليلة بعد ثبوت ان وفاة المبحوح جنائية.
فعملاء الموساد الذين عرفوا كيف تعاملوا مع آلات التصوير في الفندق، لم يدركوا ان دبي هي لندن رقم ٢ في عملية نشر الكاميرات لتغطي كل الامارة. وان الجهاز الذي يعمل على تحليل المعلومات التي تؤخذ عن هذه الكاميرات، هو فريق مدرب تدريبا جيدا، استطاع في وقت قياسي ان يقدم فيلما موثقا للعملية، وافقت المراجع السياسية في الامارة على اعلانه، اولا لان حاكم دبي لا يهمه ان تضررت اسرائىل، فهو عربي تهمه قضية فلسطين ومستقبل القدس ومسجدها الاقصى، وثانيا هو مسؤول عن مستقبل امارة تضررت بالازمة الاقتصادية العالمية وما زالت تلملم ازمتها الاقتصادية. ولا يمكن ان تتساهل في التعامل مع عمل أمني قد يعقد الازمة الاقتصادية ويضاعف تداعياتها، اذا ما استشعر المستثمرون ان دولة الامارات العربية المتحدة، قد تكون مسرحا او جزءا من مسرح لحرب اسرائىل الأمنية. خصوصا ان حركة المقاومة الاسلامية حماس حذرت من نقل معركتها الى الخارج. وقال القيادي محمود الزهار انه اذا سمح الغرب للعدو الاسرائىلي بان تصير ساحته منصة للانطلاق لقتل الشعب الفلسطيني ستتغير قواعد اللعبة، وكان يعلق على استخدام عناصر الموساد الاسرائىلي لجوازات سفر اوروبية سهلت مهمتهم في اغتيال المبحوح. ودعا الزهار الغرب الى اغلاق ابوابه امام العدو الصهيوني، حتى لا تغير حماس طريقتها في التعامل وتلجأ الى المعاملة بالمثل.
وعندما اقدمت اسرائيل على اغتيال القائد في حزب الله الشهيد عماد مغنية في دمشق، كانت تعلم ان المقاومة اللبنانية لا تستخدم الاراضي السورية في عمليات أمنية ردا على العمليات الاسرائيلية، لان الساحة هي ساحة واحدة، وان سوريا قادرة على التعامل مع الخرق الاسرائيلي وليست ساحة متاحة مثل غيرها للعمل الامني الاسرائىلي، الا بمقدار ما يسمح به اي اختراق أمني غير مرئي.
واذا كان حزب الله اللبناني اعتبر ان اغتيال قائده الميداني في سوريا، لم يخرج عن قواعد اللعبة، وانه ليس من مصلحة اسرائىل توسيع هذه القواعد، فان حماس لا تستطيع ان تقرأ العمل الأمني ضدها في دولة الامارات، الا تغييرا لهذه القواعد، وستجد لزاما عليها، اما ان تستجيب لهذا التغيير وتتعامل معه بالمثل او ان تعيد تصحيح القواعد عبر رد يكون مناسبا وفي اي مكان من العالم، بعدما ثبت ان كل العالم المتحضر يقدم التسهيلات الامنية لاسرائيل كي تقوم بعمليات ارهابية تنتمي الى ارهاب الدولة، تحت ستار ما تسميه اسرائيل والغرب بمكافحة الارهاب.
دعوة للاعتراف
وآخر ما صدر من دبي عن هذه الجريمة الاسرائىلية، دعوة القائد العام لشرطتها الفريق ضاحي خلفان، لرئيس جهاز الاستخبارات الاسرائيلية الموساد مئير داغان، الى الاعتراف بمسؤولية جهازه عن قتل محمود المبحوح، وقال خلفان في تصريحات لصحيفة الامارات اليوم المحسوبة على حكومة دبي، انه اذا كان مائير داغان يرى ان هذه العملية هي من صميم عمله فان عليه اما الاعتراف بتنفيدها وتحمل مسؤوليتها او نفي تورط جهازه فيها نفيا قاطعا. ووصف عدم تعليق داغان على العملية يعكس خوفه، وفي تصريح آخر لصحيفة الخليج دعا داغان الى ان يكون رجلا او ان يتخلى عن جبنه.
وفيما اعلن ان لدى شرطة دبي العديد من الادلة التي تدين المشتبه بهم في الجريمة، قال ان عمليات التجميل لتغيير الملامح لن تجدي نفعا، في ظل وجود البصمات الجينية التي لا يمكن التلاعب بها، لا سيما البصمة الوراثية دي. ان. ايه الحمض النووي، لاحد الجناة، وبصمات اصابع اليد لمطلوبين آخرين.
واكد خلفان ان غالبية المطلوبين في جريمة اغتيال المبحوح موجودون الآن في اسرائىل، وان الامر يستوجب تكوين فريق دولي يضم الدول الخمس، التي لوّث العملاء من الموساد جوازات سفرها بالدماء، لملاحقة الجناة. واضاف: ان داغان ورئيس الوزراء الاسرائىلي نتنياهو سيكونان على رأس قائمة المطلوبين دوليا، اذا ثبت بشكل قاطع ان الموساد هو مرتكب الجريمة.
وفيما اكد خلفان ان عدد الجناة الذين نفذوا الجريمة في دبي كان ستة وعشرين شخصا، اوضح ان اسرائيل اعلنت انهم ثلاثون شخصا. واشار الى ان هناك فلسطينيين معتقلين الى جانب الستة والعشرين الآخرين. وكشف خلفان ان شرطة دبي ستشكل دائرة متخصصة في مكافحة الموساد. وفيما لم تحصل استراليا على رد اسرائىلي بعد، عززت ضغوطها حتى الحصول على رد مرض. وقال رئىس الوزراء الاسترالي كيفن راد ان حكومة يسار الوسط التي يترأسها، تتبنى موقفا صارما جدا في الدفاع عن نزاهة منح جوازات السفر في استراليا، وتأخذ على محمل الجد خطورة ان ينتحل قتلة في جهاز الاستخبارات الاسرائىلي الموساد اسماء وهويات استراليين.
وفي موقع آخر اكد الفريق خلفان ان جريمة قتل المبحوح اصبحت دولية، ولا تمس دولة الامارات وحدها، انما تمس ايضاً دولاً اوروبية وعربية اخرى، بعد أن ثبت امام الجميع تورط مرتكبي هذه الجريمة في جرائم اخرى متعددة، مثل جريمة تزوير جوازات السفر التي استخدمها المتهمون في عدة دول اوروبية.
وأكد ان تفاصيل ارتكاب الجريمة واضحة وضوح الشمس، ولا غموض فيها على الاطلاق، وهي موثقة بالفيديو والصور على شبكة الانترنت لكل دول العالم. وقال ان اشرطة الفيديو تثبت ان المتهمين بارتكاب هذه الجريمة ومن هم وراءهم يتسمون بالغباء الكبير، لأن الفيديو رصد تحركاتهم واستراتيجيتهم وخططهم واهدافهم ثانية بثانية امام العالم اجمع.
انزعاج اوروبي
وفي حوار مع البيان قال الفريق ضاحي خلفان ان السلطات البريطانية والفرنسية والألمانية والايرلندية ابدت انزعاجاً شديداً أثناء الاتصالات الرسمية التي تمت معها لاستبيان حقيقة جوازات السفر، التي استخدمها المتهمون لدخول دبي، موضحاً ان هذا الموقف يتطلب ان تعمل سلطات الامارات والدول المعنية معاً على مطاردة هؤلاء المتهمين لمواجهتهم بالجرائم التي اقترفوها سواء ما يتعلق بالاغتيال او باستخدام جوازات موضع شك بين كونها صحيحة ام مزورة.
وكشف عن ان المسؤولين الامنيين الاوروبيين هم الذين دربوا ضباط الجوازات في دبي على كشف التزوير في الجوازات الأوروبية، بما فيها جوازات الدول الاربع المذكورة، وشمل هذا التدريب نقاط الضعف التي تمكن ضباط الجوازات في الامارات من كشف اي تزوير في هذه الجوازات، وهي الخبرات التي طبقها ضباط الجوازات في مطار دبي الدولي اثناء دخول المتهمين الى الدولة ولم تظهر تزوير هذه الجوازات.
ونفى الفريق ضاحي ما تردد مؤخراً عن تورط فلسطينيين آخرين في عملية الاغتيال، منوهاً ان شرطة دبي قبضت على اثنين من الفلسطينيين من قبل، ولا يوجد مطلوبون فلسطينيون آخرون حتى الآن ما لم تكشف التحقيقات عن العكس، مشيراً الى ان الايام القادمة ربما تكشف عن متورطين جدد.
وأفاد بأن هناك أدلة اخرى تمتلكها شرطة دبي خلاف الأشرطة والصور التي تم الاعلان عنها، وان الايام القادمة ستحمل المزيد من المفاجآت، التي لا يمكن الشك فيها نهائياً.
وأشار الى انه للمرة الأولى يكشف عن فريق بهذا الحجم وبهذه الحرفية، وان هذا الامر شكل صدمة كبيرة لمن يقفون وراء هذه العصابات، ويضعهم في موقف حرج ويكشف ظهورهم الأمر الذي يعتبر فضيحة كبرى. ولفت الفريق تميم الى ان ادعاء بعض الدول بأن جوازات السفر التي استخدمت مزورة، يحتاج الى توضيح اكبر واثباتات واضحة، وان شرطة دبي تبحث عن هؤلاء الاشخاص مهما كانت جنسياتهم.
وكان الفريق ضاحي قد رجح مؤخراً حصول تسريب من جانب بعض المحيطين، بالمبحوح الذي قتل بغرفة نزل فيها في أحد الفنادق الذي كان قد حجز فيه ١٨ كانون الثاني/يناير الماضي، اي قبل يوم واحد من وصوله دبي واغتياله، وهذا وقت غير كاف لاعداد عملية الاغتيال المحكمة.
صدمة الشريط
ومن ناحية اخرى اشار اللواء خميس مطر المزينة نائب القائد العام لشرطة دبي ان هذه العصابة لم تكن تتوقع ان يتم رصد تحركاتها بهذه الدقة، وان أفرادها كانوا يتوهمون ان عمليات التخفي التي يقومون بها ستضلل الشرطة، وانهم غير مرصودين.
وأكد ان الشريط الذي بثته شرطة دبي شكل صدمة كبيرة لهؤلاء الجناة ومن يقف خلفهم، خاصة وانه يتضمن جودة عالية ووضوحاً في الصورة لا يمكن التشكيك فيها.
وقال المقدم سالم خليفة الرميثي، نائب مدير الادارة العامة للتحريات لشؤون البحث والتحري، ومدير ادارة المطلوبين في شرطة دبي، ان شرطة دبي ارسلت ملف القضية الى النيابة العامة في دبي، ومن ثم سيتم ارساله الى المنظمة الدولية لمكافحة الجريمة الانتربول لاصدار نشرة حمراء بحق المطلوبين وادراج اسمائهم في قوائم المطلوبين دولياً.
صمت رسمي
واعتراف اعلامي
وبرغم الصمت الرسمي الاسرائيلي، فان الموسيقى الاسرائيلية التي تعزف حول هذه القضية تظهر الاسرائيليين كمن يضع يده على رأسه ليتحسس ما تحتها. والصحف الاسرائيلية لم توارب في الاعتراف بأن جهاز الموساد هو الذي اغتال القيادي الفلسطيني. واذا كانت هذه الصحف تلعب دوراً ترويجياً لانجازات الحكومة الاسرائيلية الامنية، فان اسرائيل لن تعترف رسمياً ابداً بعلاقتها بتصفية محمود المبحوح، وليس لديها اي سبب يجعلها تكشف الحقيقة. طالما ان الصحافة الاسرائيلية قامت بما هو مطلوب للرأي العام الاسرائيلي.
محمد دحلان قد ظهر على قناة العربية، واتهم حماس بأن لديها مشكلة اختراق من قبل الموساد الاسرائيلي. فيما اتهمه القيادي في حماس انه مسؤول عن رجلي امن فلسطينيين سابقين هما انور شحيبر واحمد حسنين وهما يعملان في مؤسسة يملكها دحلان في دبي.
وكانت معلومات صحفية قد ذكرت ان لندن اخبرت بالعملية قبل حدوثها بساعات من دون تفاصيل، ولكن وزارة الخارجية البريطانية نفت نفيا قاطعا هذه المعلومات، وقالت انه لا علم لها بمعطيات استخدام جوازات سفر بريطانية.
وان تداعيات الجريمة الاسرائيلية على الاراضي الاماراتية، لم تهدأ بعد، فدولة الامارات وامارة دبي تحديدا، بشخص حاكمها الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، لن تسكت عن هذا الخرق الامني لاهم صرح اقتصادي عربي حديث يقوم على الشفافية والثقة والامان. وهي لا تستطيع ان تقبل حدثا من هذا النوع يمكن ان يولد مضاعفات خطيرة على جهود تصحيح اوضاع اقتصاد ومالية الامارة التي تضررت من الازمة الاقتصادية والمالية التي اجتاحت العالم. واثارت الجهات المعنية في الامارة قضية استخدام جوازات السفر الاوروبية من قبل الموساد مع الدول المعنية التي تعود هذه الجوازات اليها. الامر الذي اثار، ولاول مرة، اهتمام هذه الدول التي درجت على تقديم التسهيلات للمخابرات الاسرائيلية لتيسير القيام باي عمل امني. وتاريخ هذه التسهيلات طويل، ولم تحرك الحكومات الاوروبية ساكنا خلاله اعتراضا او حتى تنبيها للاسرائيليين. ولم يسبق ان جرى اعتراض عربي او غير عربي على هذه القضية كالاعتراض الذي قامت به دبي، مدعوما من الشيخ محمد بن راشد.
الموساد ٩٩%
الردود الاسرائيلية على المعلومات الاماراتية، كانت تندرج بحسب كل موقف، ففيما اعلنت دبي في ١٩ شباط/فبراير ان علاقة الموساد بالجريمة هي ثابتة بنسبة ٩٩% اذا لم تكن ١٠٠% رد مسؤول اسرائيلي بان شرطة دبي لم تقدم دليلاً ذا طابع اتهامي، وانها حتى ذلك التاريخ لم تكن تعرف ما الذي حصل، ولا ظروف وفاة المبحوح الذي عثر عليه جثة هامدة في غرفته بالفندق الاماراتي قبل شهر من ذلك التاريخ.
ولكن الكيان الصهيوني هو صامت اليوم، بعد ان تمكنت دبي بشرطتها، وكل اجهزتها المعنية، التي تدار بعقلية الحكيم الشيخ محمد بن راشد، بعد ان تمكنت من كشف كل تفاصيل ما جرى في تلك الجريمة، وقدمته للعالم اجمع على الانترنت. وآخر المعلومات تؤكد ان الموساد عمد الى تحذير المبحوح بواسطة حقنة بمادة مخدرة، ومن ثم قام بقتله خنقا، بحيث لا تظهر اي اثار تدل على العمل الجرمي.
وان اضافة هذه المعلومات الى شريط العملية التي نفذت بالكامل، لم يعد يترك ادنى شك بأن اسرائيل بقيادتيها السياسية والامنية تقف وراء قرار الاغتيال وتنفيذه. ولن تتراجع دولة الامارات، وامارة دبي على وجه الخصوص، عن السير بهذه القضية، حتى ضمان اجراء محاكمة ولو غيابية بحق رئيس حكومة العدو الاسرائيلي نتنياهو ورئيس جهاز مخابراته مائير داغان.
الدليل القاطع
وكشف محلل امني عن اخطاء كبيرة ارتكبها من نفذوا اغتيال المبحوح وقد ظهرت بفشل واضح وذريع، لانهم لن يستطيعوا بعد اليوم ان يمروا عبر اي مطار في العالم وذلك لان بصمة عيونهم سجلت لدى مطار دبي الدولي، حيث ستقوم شرطة دبي في القريب العاجل بنشر بصمة قزحية العين لهم في جميع مطارات العالم عبر الشرطة الدولية الانتربول.
وتعتبر امارة دبي من اكثر مناطق دول العالم تطورا في المراقبة واستخدام آخر التقنيات الحديثة في تتبع المجرمين والمسافرين بشكل عام. ومن هذه الاجهزة جهاز التعرف على الشخص من خلال بصمة العين. وعبر هذه التقنية لا يمكن ان يتم اخفاء بصمة العين التي تعتبر بصمة غير قابلة للتقليد او التزييف، حتى وان تنكر صاحب هذه العين او قام بزراعة وجه جديد.
واظهرت تحقيقات شرطة دبي ان من نفذوا الاغتيال جميعهم مروا عبر مطار دبي الدولي الذي يستخدم هذه التقنية بل ويستخدم تقنية التصوير المقرب لكل شخص.
ومن المعلوم ان التعرف على القزحية نظام رياضي يقوم بالتعرف على الجزء الملون في العين ليحدد من صاحب العين، لان بصمة العين هي جوازات سفر لا تزور وليس على غرار الجوازات الورقية التي يمر عبرها التوائم، حيث يوجد في العين نمط بنائي آخر يستحيل نسخه. والقزحية هي الجزء الوحيد من العين الذي يسهل رؤيته من الخارج ولها نمط لا يتغير ابدا.
فهي جواز سفر مثالي حي وتفوق دقتها اكثر ب ١٠ مرات من دقة بصمات الاصابع وهي معتمدة في التعرف على الاشخاص اكثر من الصور الشخصية.
وكانت تقارير سابقة قد ذكرت ان اكثر الدول استخداما للتعرف عبر القزحيات هي الامارات العربية. فكل مطاراتها تستخدم هذا النظام واكبرها هو مطار دبي، حيث ان دبي تستخدم اعلى تقنيات التكنولوجيا للتعرف على من يدخل اليها متسللا وللسيطرة على التدفق البشري يتعقبون حاملي التأشيرات الاجانب بمقارنتها بقائمة هجرة سوداء وقاعدة بيانات تضم ٥٠٠ الف من المجرمين ومنتهكي القانون. يطلق الماسح ضوءا غير مرئي يعمل بالاشعة تحت الحمراء للعين ليحدد ويفصل القزحية ثم يعين الانماط المختلفة للقزحيات ويضع معادلة رياضية تسمى الرمز القزحي وفي ثانية يقارن الرمز بنصف مليون رمز آخر في قاعدة البيانات ويبحث عن مطابق.
ومنذ تركيب النظام في مطار دبي تم الامساك ب ٢٥ الف شخص حاولوا دخول دبي بشكل غير قانوني وتمت اعادتهم من حيث اتوا.
ويقول بروفيسور جون دوغمان من جامعة كامبردج وهو مكتشف التعرف عبر بصمة العين: تعدد نظام القزحيات يجعل من نظامي قويا جدا وصيغة الرياضيات المستخدمة عبر القزحية تستخدم لمراقبة الناس في معظم اماكن العالم.
مذكرات اعتقال!
وقد اصدرت الشرطة الدولية مذكرة لتعقب ١١ شخصا تريد سلطات دبي القبض عليهم
للاشتباه في ضلوعهم في قتل محمود المبحوح.
وقال الانتربول ان لديه سببا للاعتقاد بان المشتبه بهم انتحلوا شخصيات اشخاص حقيقيين واستخدموها في ارتكاب الجريمة، مضيفا في بيان انه اعلن الاسماء والصور الواردة في جوازات السفر لتقييد قدرة المشتبه بهم على السفر لكنه حث الشرطة على التركيز على الصور في تحديد من الذين ستستجوبهم وتحتجزهم.
وقال الامين العام للانتربول رونالد نوبل حيث ان الاسماء الواردة في جوازات السفر التي اكتشفتها شرطة دبي ضمن تحقيقها هي على الارجح اسماء اشخاص حقيقيين ابرياء انتحلت شخصياتهم. لا يعتقد الانتربول اننا نعرف الشخصيات الحقيقية لاولئك الاشخاص المطلوبين.
وقال نوبل ان الانتربول نشر الاسماء التي استخدمت بطريقة احتيالية لانه اذا وجد اي من الاشخاص الواردة صورهم في المذكرة الحمراء من الانتربول حائزا لجوازات سفر مزورة او مبدلة بطريقة احتيالية فستكون مثل هذه الحيازة دليل ادانة في مجموعة متنوعة من الجرائم.
يذكر ان المذكرات الحمراء من الانتربول ليست مذكرات اعتقال دولية وانما تنشر بعدما تصدر السلطات الوطنية امر اعتقال للمساعدة في العثور على المشتبه بهم كي يمكن اعتقالهم او تسليمهم.
وقال الانتربول في موقعه على الانترنت انه في هذه الحالة طلبت شرطة دبي ومكتب الانتربول في ابوظبي اصدار المذكرات الحمراء.
تنفيذ سريع وانكشاف أسرع
رغم السرعة الخاطفة التي نفذت بها الجريمة والتي لم تستغرق اكثر من ٢٠ دقيقة منذ لحظة دخول المجني عليه المبحوح الى الفندق حتى مغادرة الجناة موقع الجريمة قبل توجههم مباشرة الى المطار، فان شرطة دبي نجحت في جمع قرائن مهمة في مقدمتها اشرطة المراقبة التلفزيونية التي تم من خلالها رصد تحركات المتهمين منذ لحظة وصولهم الى دبي لحين مغادرتهم البلاد بما في ذلك تحركاتهم داخل الفندق الذي وقعت فيه جريمة القتل، وكذلك كافة المواقع الاخرى التي تنقل بينها المتهمون وضمت عددا من الاماكن التي نزلوا او اجتمعوا فيها امعانا في التضليل والتخفي خلال فترة تواجدهم في دبي والتي لم تتجاوز ٢٤ ساعة.
وكشف الفريق ضاحي خلفان ان الجناة استخدموا جهازا الكترونيا لفتح باب غرفة المبحوح، حيث تشير التحقيقات الى انهم قاموا باستخدام هذا الجهاز للدخول الى الغرفة ومن ثم انتظار وصول القتيل لاتمام جريمتهم وغادروا بعدها مباشرة الفندق، وفقا لما اظهرته صور كاميرات المراقبة الخاصة بالفندق.
وتمكنت الشرطة من رصد تحركات جميع المتهمين بعد تحديد هويتهم خلال زمن قياسي لم يتجاوز ٢٤ ساعة، ونجحت في تحديد تفاصيل تلك التحركات منذ اللحظات الاولى لدخولهم الى دولة الامارات وحتى مغادرتهم البلاد، معتمدة في ذلك على الاشرطة المسجلة لكاميرات المراقبة الامنية المصورة المنتشرة في مختلف الاماكن التي تنقلوا بينها في دبي، وذلك وفق مجهود امني مكثف تعاونت فيه كافة الاجهزة المعنية، والتي تمكنت من حصر دائرة الاشتباه في مجموعة عناصر من ذوي الجنسيات الاوروبية وصلت الى دبي تقريبا في نفس وقت وصول محمود المبحوح وغادرت البلاد قبيل اكتشاف جثة القتيل في احد الفنادق المعروفة في دبي.
ونوه القائد العام لشرطة دبي بانه على الرغم من اتباع المتهمين لمجموعة من وسائل المراوغة والتضليل والتنكر المختلفة، مثل استخدام الشعر المستعار واغطية الرأس الكابات والتخفي في ازياء متنوعة ما بين رسمية ورياضية لاخفاء وتغيير هيئتهم الاصلية الا ان تلك الاساليب لم تفلح في خداع الحس الامني المرهف والكفاءة المهنية العالية التي تتمتع بها الاجهزة الامنية في دبي.
جريمة القتل
من المرجح ان المتهمين قاموا بمحاولة دخول غرفة المبحوح في الساعة الثامنة مساء عقب انتهاء عمال النظافة من مناوبتهم في نفس الطابق بينما اظهرت اشرطة المراقبة الامنية في الفندق اثنين من المتهمين وهما يتوليان عمليا المراقبة والاعتراض بعد مغادرة عامل النظافة لتسهيل مهمة فريق التنفيذ ومن بين اعضائه العنصر التقني الذي يعتقد انه استخدم الجهاز الالكتروني لفك شيفرة مفتاح غرفة القتيل للتمكن من الدخول اليها قبيل وصول المبحوح. ووفقا لما جاء في الشريط المسجل من كاميرات امن الفندق - وايضا القراءة المنسوخة من مفتاح الغرفة - وصل المبحوح الى غرفته في تمام الساعة ٢٥:٨ مساء يوم ١٩ كانون الثاني/يناير حيث يرجح ان جريمة القتل قد تمت خلال فترة لم تتجاوز ١٠ دقائق اعتبارا من دخول المبحوح الى غرفته واظهرت التحقيقات ان الجناة حرصوا على ترتيب كافة مقتنيات الغرفة لكي تبدو في صورة طبيعية بهدف ازالة جميع الآثار التي تدل على وقوع مقاومة من قبل القتيل ولتضليل الجهات الامنية وتحويل انتباهها عن اي شبهة جنائية وراء وفاة محمود المبحوح حيث عمد الجناة ايضا الى اغلاق سلسلة الامان الخاصة بباب الغرفة من الداخل امعانا في الايحاء بان الوفاة تمت بصورة طبيعية. وقد لاذ جميع المتهمين بالفرار من الفندق عقب اتمام الجريمة مباشرة حيث لم يستغرقوا اكثر من ١٠ دقائق للمغادرة بينما توجهوا على الفور الى مطار دبي واستقلوا رحلات طيران مختلفة متوجهين الى عدد من المدن الاوروبية والآسيوية وفقا لما اظهرته تسجيلات المراقبة التلفزيونية الخاصة بالمطار.
التقنية الاماراتية
تناول عدد من المعلقين الإسرائيليين أنماط التقنيات المتوفرة لحكومة دبي وشرطتها، والتي بنيت على أساس تحويل دبي إلى مدينة آمنة. ويشير هؤلاء إلى أن أجهزة المراقبة المصورة ليست جديدة، وهي معروفة منذ زمن طويل، ولكن الجديد فيها هو دقة التصوير من ناحية، ووجود برامج تستطيع تمييز الأشخاص وفق سمات معينة في أشرطة الفيديو، أو حتى في أثناء البث الحي للصور. وقد أدرجت في السنوات الأخيرة إلى منظومات المراقبة حواسيب وبرمجيات تتلاءم مع المهمة المحددة. وعلى سبيل المثال يمكن لبرنامج حاسوب أن يلاحظ مثلا تكرار مرور شخص في دائرة الكاميرا، ويبيّن الفوارق بين سلوكه في كل مرة. غير أن الأهم في دبي هو أن معطيات الكثير من الكاميرات وأجهزة الرقابة تصب في مركز معلومات واحد.
وإضافة إلى المراقبة عبر الصور هناك مراقبة وتمييز للغات المستخدمة التي يتحدث بها المارون في دائرة الكاميرا أو جهاز التنصت. ولا تقتصر القدرة على تمييز اللغات بل تتعداها إلى تمييز بصمة صوت شخص معين، وبالتالي يبدأ التنصت عليها.
وكتبت يديعوت أنه بفضل شبكة عدسات التصوير تلك، وبرغم محاولات التنكر، فقد نجحوا في الشرطة المحلية في استعادة تكاد تكون دقيقة لمسار خلية اغتيال المبحوح. وتشتمل نتائج التحقيق على معطيات عدسات التصوير ومعطيات اتصال من جميع أنحاء المدينة، وتوثيق حركات أعضاء الخلية في كل نقطة مكثوا فيها تقريبا، ومعطيات مكالمات دولية وتسجيل كامل لدخولهم وخروجهم من البلد.
ولكن خبراء كثر يعزون نجاح شرطة دبي في تعقب قتلة الشهيد المبحوح إلى انتهاج دبي أسلوب التشخيص البيومتري. ومنذ سنوات دأبت دائرة الهجرة والجوازات في مطار دبي ومينائها على أخذ بصمات الكترونية وصورة لقرنية العين وملامح الوجه. ويشكل هذا الأسلوب الوسيلة الأنجع للتعرف على حقيقة من يدخل الإمارة ومن يخرج منها، وهي أساليب يصعب خداعها. وهو ما لم يفلح الشعر المستعار أو تركيب شارب أو ارتداء قبعات من جانب فريق الموساد في تخطيه.
كيفية قتل المبحوح
قالت شرطة دبي ان القيادي في حماس محمود المبحوح قد جرى تخديره قبل تصفيته لتبدو الوفاة طبيعية.
وقال اللواء خميس مطر المزينة، نائب القائد العام لشرطة دبي، في مؤتمر صحافي، ان الجناة استخدموا عقار سكسينيل كولين، الذي يعرف باسم سوكساميثونيوم كلورايد، وهو عبارة عن عقار يستخدم في مراحل التخدير الكلي، البنج العام لما له من مفعول سريع يؤدي الى ارتخاء العضلات، ويسبب فقدانا للوعي لمدة محددة، حسب كمية العقار في الدم وجسم المعطى له.
واضاف المسؤول الامني ان السيناريو الذي اعد من قبل الجناة هو حقن المغدور به بهذه المادة، وبعد ذلك خنقه بطريقة تبدو فيها الوفاة طبيعية، بحيث لا تظهر علامات للمقاومة من جانب المجني عليه قبيل موته. لكن شرطة دبي، التي تتأكد في جميع حالات الوفاة من شخصية المتوفى واسباب الوفاة بطرقها المتطورة والمواكبة لاحدث التقنيات، استطاعت كشف الجريمة من خلال ادلتها الجنائية.
وقال خبير السموم لدى الادارة العامة للادلة الجنائية وعلم الجريمة عن المادة المستخدمة في عملية الاغتيال، ان عقار سكسينيل كولين سريع التأثير، وفي فترة قصيرة، وهو الاكثر شيوعا واستخداما في عملية ادخال انابيب اجهزة التنفس الى القصبة الهوائية اثناء العمليات الجراحية او حالات الطوارىء او الاسعافات السريعة في غرف العناية الفائقة.
واوضح انه تم حقنه بهذه المادة، التي استطاع خبراء السموم اكتشافها في جسم المبحوح، قبل ان تختلط المادة مع باقي المواد في جسمه.
وذكر الخبيران ان المادة تستخدم في حال التخدير العام، حيث يضعه اخصائي التخدير في الوريد، ولكن الجناة قاموا بوضعه تحت الجلد، وخلال عمليات الفحوصات والاجراءات التي استمرت شهرا كاملا، تمت معرفة المادة المستخدمة في عملية الاغتيال، والتوصل اليها قبل ان تتحلل في جسم المجني عليه.
ويذكر ان عقار سكسينيل كولين تم اكتشافه في فيينا عام ١٩٥٠ ويستخدم في عمليات التخدير الكلي، وفي حال زيادة الجرعة قد يستخدم لغرض الموت، وفي مثل تلك الحالات يستخدم العقار كعامل سريع جدا للشلل التام لعضلات الجسم لمن يراد تنفيذ عمليات الاعدام بحقهم.
ويتزامن نشر التفاصيل الجديدة حول مقتل القيادي الحمساوي، مع تحقيقات يجريها فريق تحقيق بريطاني في اسرائيل مع ستة اسرائيليين انتحل الجناة هوياتهم.
رواية الصنداي تايمز
روت صحيفة الصنداي تايمز The Sunday Times البريطانية قصة إغتيال المبحوح كما عاشها الموساد من الداخل، وذلك على الشكل التالي:
في أوائل كانون الثاني/يناير، دخلت سيارتا أودي أي6 البوابة الرئيسية من بناية في الضواحي الشمالية لتل أبيب حيث المقر الرئيسي للموساد. وقد خرج نتنياهو من سيارته ورحب به مئير داغان، رئيس الموساد.
وبالإستناد إلى مصادر من الداخل، فلقد عقد إجتماع بحضور بعض أعضاء فريق الإغتيال، وأعطي نتنياهو تفاصيل العملية لإغتيال المبحوح. وكان الموساد قد تلقى معلومات بأن المبحوح يخطط للسفر إلى دبي والإقامة في فندق هناك دون حراسة. وكان الفريق قد تدرب على عملية إغتيال في فندق مستعملاً أحد فنادق إسرائيل.
وقد أعتبرت العملية خالية عن التعقيدات والمخاطر، وأعطى نتنياهو الإذن بالقيام بها، قائلاًً للفريق شعب إسرائيل يثق بكم. حظ سعيد.
بعد ذلك بأيام، غادر المبحوح دمشق على متن الرحلة EK912 من طيران الإمارات، علماً أنه كان سبق له وأن قام بمثل هذه الرحلة عدة مرات في السابق. وقد راقب عميل للموساد عملية إقلاع الطائرة. وكان يعلم من مخبر يعمل بإسم مستعار بأن المبحوح هو بالفعل على متن الطائرة. وأرسل العميل رسالة نصية بذلك إلى فريق الإغتيال، ويعتقد أن ذلك تم بواسطة بطاقات نمساوية مدفوعة سلفاً.
وبعد أن برزت الشبهات بحصول عملية إغتيال، فإن كاميرات المراقبة في دبي وحدها التي كشفت عن كيفية حصول عملية الإغتيال، حيث تم تسجيل كل تحركات الفريق.
ويشعر الموساد الآن بحرج شديد لإنكشاف أمر جوازات السفر ما أغضب الحكومات الغربية. وذكرت مصادر مقربة للموساد بأنها علقت تنفيذ عمليات مشابهة في الشرق الأوسط لعدم تعريض سلامة عملاء آخرين للخطر.
على أن قلة يعتقدون بأن الموساد سوف يتخلى عن الحرب السرية التي يشنها منذ مدة طويلة ضد أعداء إسرائيل.
وبالإستناد إلى الصنداي تايمز، فإن المبحوح كان قد طلب غرفة من دون شرفة، وذلك لأسباب أمنية على الأرجح. وحجز فريق الموساد للغرفة المجاورة. وقد غادر المبحوح غرفته إلى جهة لم تكشف حماس عنها، وخلال فترة المغادرة دخل الفريق الغرفة وإنتظر عودته. لم يُعرف بعد بالضبط كيف تم الدخول إلى الغرفة، بواسطة مفتاح مزور، أو دخل عنوة مع المبحوح لدى عودته. قد تكون إمرأة من الفريق قد إضطلعت بدور في هذا المجال بعد أن تنكرت بزي طاقم الفندق، كما أظهرتها الشرائط المسجلة.
تفاصيل جديدة
على ان هذه المعلومات الوافية لم تكن الوحيدة، حيث تم في الرابع والعشرين من شباط/فبراير الكشف عن ١٥ شخصا اضافيا يحملون جوازات غربية ضالعين في الجريمة ما يرفع اجمالي عدد الاشخاص الذين اتهمتهم الشرطة في العملية الى ٢٦ شخصا.
وقالت الشرطة في بيان ان المتهمين الجدد هم ستة اشخاص يحملون جوازات بريطانية وثلاثة اشخاص يحملون جوازات فرنسية وثلاثة اشخاص يحملون جوازات ايرلندية وثلاثة اشخاص يحملون جوازات استرالية. وذكرت ايضا ان المتهمين الجدد وصلوا من ست مدن اوروبية ومن هونغ كونغ، وان بينهم خمس نساء هنّ بريطانية وايرلنديتان وفرنسية واسترالية. واذ كشفت شرطة دبي عن اسماء المتهمين ال ١٥ الجدد لم تستبعد ارتفاع عددهم مع تقدم التحقيق. وتوزعت مهام المتهمين بحسب بيان الشرطة ما بين المساعدة في الاعمال المجهزة والمسهلة للجريمة خلال فترات زمنية مختلفة قبل تنفيذ الجريمة وبين القيام بادوار رئيسية في ارتكابها. الى ذلك اكدت الشرطة انها تلقت تأكيدات رسمية من الدول المعنية بان الجوازات التي استخدمت من قبل اعضاء المجموعة سليمة لكنها صدرت عن طريق الاحتيال. وقد اثارت الكثير من الجدل في الدول المعنية. كما ذكرت الشرطة ان ١٤ متهما استخدموا بطاقات ائتمانية لحجز غرف فندقية في دبي وبطاقات السفر، وهي صدرت عن مصرف واحد هو ميتا بنك.
ذكرت يديعوت أحرونوت أن الايام التي كان يمكن فيها تنفيذ اغتيالات بلا آثار ولت ولن تعود. الحاجة الى اصابة اشخاص في ساحات مغطاة جيدا بسلسلة من الوسائل الالكترونية جعل استعمال سلاح الاغتيالات شديد التعقيد. الاغتيال في فندق، مثلا وهو ما اعتبر لسنين حلبة سهلة نسبيا اصبح اغتيالا يترك أكبر قدر من العلامات والصور. ولاحظت الصحيفة أن النظم المتقدمة للتشخيص البيومتري بحسب قسمات الوجه ستجعل اسفار العملاء السريين الى دول أجنبية كابوسا حقيقيا. لم تعد تكفي قبعة تغطي العينين والصاق شارب. يجب الان الانشغال في المسافة بين الجفنين، وقوة تردد الصوت وما اشبه.