إختر عدداً من الأرشيف  
ملحق الصياد

وضع لبنة العلاقات السعودية - اللبنانية
الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود
استقبل الرئيس شمعون وأودعه وصية تاريخية
تصون وحدة لبنان وسيادته وتحمي شعبه
تعتبر العلاقات السعودية - اللبنانية انموذجية في تاريخ العلاقات بين الدول، رغم اختلاف العادات والتقاليد والمساحة والتضاريس. وطالما احتضنت الشقيقة الكبرى، المملكة العربية السعودية لبنان ارضاً وشعباً، بالرعاية والاهتمام والمساعدة، والاسراع الى نجدته ومدّ يد العون والاغاثة في الازمات وأيام الضيق، واحتضنت المملكة قضايا لبنان العادلة على الصعيدين الاقليمي والدولي ودافعت عن حقوقه ومطالبه في المحافل الأممية، خاصة ضد الاعتداءات والاطماع الاسرائيلية.

ولما كان لبنان يحظى بمكانة خاصة مميزة بين اشقائه العرب، نظراً الى موقعه المتوسط ونظامه الفريد وتعدد طوائفه وانفتاحه على الشرق والغرب، وحب ابنائه للعمل والتجارة والسفر والمغامرة، فان هذه الحظوة كانت الأبرز على الساحة السعودية منذ استقلال لبنان وبدء مسار نظامه الرئاسي وتشكيل الحكومات الوطنية مع الرئيس بشارة الخوري ورئيس الوزراء رياض الصلح.

زيارة زعيم تاريخي
وسجّل المراقبون باكورة العلاقات المميزة التي ارسى دعائمها الرئيس كميل شمعون اول الرؤساء اللبنانيين الذي زار المملكة العربية السعودية، بعد تسلمه سدة الحكم عام ١٩٥٢ على رأس وفد رسمي رفيع، وكان موضع حفاوة وتكريم سيد الجزيرة العربية بدون منازع، الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، القائد التاريخي الذي تسابق رؤساء الدول الكبرى الى كسب ودّه والتعرف عليه وفي مقدمهم الرئيس الاميركي روزفلت، ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل في ذلك العصر.
وقد سرّ الرئيس اللبناني والوفد المرافق بطيب اللقاء والاهتمام الملكي الكبير بهم ترحيباً وتقديراً وحسن وفادة. وأعجبوا ايما اعجاب بما سمعوه من الملك عبد العزيز حول معرفته الكثير عن لبنان، ما يؤكد ويدل على سعة اطلاعه وغزير قراءاته المتنوعة في زمن ندرة الاتصالات وصعوبتها، وخلال الزيارة وجّه الملك المؤسس نصائحه الأبوية الحكيمة والسديدة للرئيس شمعون ومرافقيه، لافتاً رحمه الله، الى تعدد الطوائف والمذاهب في لبنان رغم صغر مساحته، الامر الذي يوجب البعد عن التحالفات والمحاور، وشدد الملك عبد العزيز

على أهمية الحوار والتفاهم وضرورة التعاون والتعاضد بين جميع الاطياف والفرقاء اللبنانيين لينعم الوطن بالامن والاستقرار، بعيدا عن الاطماع، مؤكدا الحرص الشديد على الوحدة الوطنية التي تحفظ للبنانيين منعتهم وتصون استقلالهم.

قائد بعيد النظر
انطلاقا من هذا الموقف التاريخي للملك المؤسس، كان للبنان وشعبه في جميع العهود السعودية، مكانة خاصة ومواقف داعمة مشهودة ضد الاعتداءات الاسرائيلية، وفي مِحَنه وازماته، حيث عملت القيادات السعودية دائما على مساعدة لبنان لحل الخلافات وتفكيك الازمات وابعاد شبح الكوارث والنكبات. وطالما كان الدعم الاقتصادي والاستثماري والمالي ملازما ومواكبا للدعم السياسي والمعنوي، من دون منّة او لقاء اية بدائل او ثمن. فقد كانت كل وسائل وميزانيات الدعم والمساعدة والعون والودائع والهبات والمنح السعودية، لما يقرب من ستة عقود، مجردة من الغايات، بل هي احتضان ودعم الشقيقة الكبرى للبنان ارضا وشرعية وشعبا.
وكان الملك عبد العزيز اول المبادرين الى الاستعانة بالخبرات اللبنانية قبل استقلال لبنان، فقد شكل الملك المؤسس اول جامعة دول عربية بعد بسط نفوذه وهيبته على الجزيرة العربية من استرداد حكم آبائه واجداده في الرياض الى مرحلة سلطنة نجد وملحقاتها، فالمملكة العربية السعودية حين دانت له، شعوب وقبائل البلاد من الخليج العربي الى منطقة الحجاز على ساحل البحر الاحمر. واستعان بالخبراء والمستشارين اصحاب الفكر والرأي وحسن الادارة من الدول العربية المختلفة، كمصر ولبنان وسوريا والعراق وليبيا وغيرها، عملوا جميعا في خدمته بكل اخلاص ووفاء، فوثق بهم الملك وكرّمهم ووصلوا الى مراكز متقدمة في الديوان الملكي او سفراء في الدول المهمة، وكان اللبناني فؤاد حمزة بين كوكبة هؤلاء المستشارين الذين امضوا عقودا من اعمارهم تحت خيمة الملك عبد العزيز، وقد تسلم نجل المستشار فؤاد حمزة العام الماضي وساما رفيعا لذكرى والده من المملكة العربية السعودية.

استقطاب الخبراء
واستعان الملك المؤسس في ذلك الحين ايضا بالمهندس اللبناني المرموق موريس الجميل، سعيا للحصول على خبرته في مجال المياه، حيث تشكو الجزيرة العربية من ندرة الامطار وفقدانها للانهار والينابيع، وكانت محدودة وغير غزيرة، والمملكة يتوسع أفق العمران فيها والسكان في ازدياد، وبتوجيه من الملك عبد العزيز، جال المهندس موريس الجميل على عدد من المناطق السعودية وفي ارجاء تضاريسها المختلفة مع عدد من المساعدين والمرافقين، وبعد البحث الميداني والتدقيق، نصح الجميّل بانشاء السدود او البحيرات الاصطناعية لتوفير مياه الامطار في موسم الشتاء، وها ان العديد من المناطق السعودية تحتضن سدودا كبيرة لتخزين مياه الامطار وتختزن مياه السيول.
وكان للمفكر والاديب اللبناني أمين الريحاني شرف اللقاء مع الملك عبد العزيز والاستئناس بكرم ضيافته ومرافقته في بعض رحلاته، فروى وكتب الكثير عن الملك عبد العزيز وعهده الميمون. كما برز كثير من اللبنانيين الذين عملوا في المملكة اواخر عهد الملك عبد العزيز، ثم العهود اللاحقة لابنائه البررة. فبنى هؤلاء اللبنانيون صروحاً ومؤسسات خلال عملهم بالتجارة والمقاولات واستثمارات اخرى وجمعوا ثروات، منهم الحاج حسين العويني الذي وصل الى سدة رئاسة مجلس الوزراء، ورجل الاعمال نجيب صالحة الذي يملك ابناؤه فندق فينيسيا الشهير في بيروت وغيره من الاستثمارات، والرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي حظي بثقة الملك فهد بن عبد العزيز رحمهما الله ليصبح فيما بعد موفداً سعودياً للمساهمة في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء اللبنانيين في النصف الثاني من الحرب الاهلية اللبنانية ووسيطاً موثوقاً من جميع الاطراف، معززاً بتوجيهات القيادة السعودية لوقف آلة الدمار والقتل وحقن دماء اللبنانيين، الامر الذي توّج بانجاز اتفاق الطائف العتيد. ومن ثمّ وصول الحريري الى رئاسة الوزراء، من دون ان ننسى رئىس الوزراء اللبناني الاسبق صائب سلام وما كان يربطه من علاقات شخصية حميمة مع القيادة السعودية.

لبنانيون ناجحون
ونجح عشرات من رجال الاعمال اللبنانيين في توطين استثماراتهم في اسواق المملكة، وكانت استثمارات مربحة، وذلك في شراكات مع اخوانهم السعوديين، فأنشأوا المصانع والمعامل والشركات المتعددة الناجحة والمربحة امثال رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي ووزير المال السابق محمد الصفدي والوزير السابق نعمة طعمة والوزير السابق جورج افرام، واسماء اخرى عديدة يصعب ذكرها في هذه العجالة. عاد بعضهم الى لبنان للمشاركة في الحراك السياسي وتسلّموا مناصب قيادية في الوزارات وادارات الدولة المختلفة، او اصبحوا اعضاء في مجلس النواب، ولا يزال بعضهم يقضي اوقاتا في المملكة لمتابعة اعماله موزعا نشاطاته وأيام الاسبوع بين لبنان والسعودية.
هكذا تفيدنا مسارات التاريخ في كل عهد، من المؤسس الى الملك سعود بن عبد العزيز واضع لبنات المؤسسات العصرية في المملكة، الى شهيد القدس والقضية الفلسطينية مؤسس العلاقات الخارجية مع دول العالم الملك فيصل، الى عهد الرضاء والتنمية مع الملك خالد، وصولا الى الملك فهد بن عبد العزيز راعي النهضة الكبرى في البلاد، وهو صاحب مشروع اتفاق الطائف الذي حقن دماء اللبنانيين بعد اكثر من ١٥ عاما من الاقتتال الطائفي وحروب الآخرين على ارض لبنان. فقد حفظت المملكة العربية السعودية في عهد الملك فهد رحمه الله ورحم اخوانه الذين سبقوه جميعا لبنان من الدمار الشامل وفقدان الهوية، ولا نبالغ اذا قلنا ان المملكة حفظت لبنان من زوال كثير من النعم ومنارات التميّز التي تفرد بها منذ استقلاله.
ورغم بقايا الخلافات والارتدادات والافرازات والتداعيات بعد عقد إتفاق الطائف، ورغم عدم تطبيق جميع ما ورد فيه من بنود، وصولا الى الحقبات التالية حتى يومنا هذا، الا ان اتفاق الطائف باعتراف جميع اللبنانيين احزابا وفرقاء، طوائف ومللا، مؤسسات وهيئات، كان ولا يزال حتى يومنا هذا المرجع الذي حفظ ويحفظ لبنان رغم الاختلافات والازمات وتصارع التيارات والاحزاب على الساحة اللبنانية، وهو بالتالي وديعة سعودية لا تقدر بالملايين. يكفي انها حقنت دماء اللبنانيين وأوقفت آلة الرعب والقتل والدمار.
    قرأ هذا المقال   914 مرة
غلاف هذا العدد