إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

صناعة امبراطور في صين
اشتراكية عصرية وقوة عظمى
روسيا ليست البديل من أميركا كقوة عظمى، مهما يكن حجم الانحسار في النفوذ الأميركي والمد في النفوذ الروسي. والسبب هو محدودية الاقتصاد الروسي والقوة الناعمة الروسية بما يؤثر على دور القوة الصلبة العسكرية.
البديل هو الصين التي صارت القوة الاقتصادية الثانية بعد أميركا، وتتقدم نحو المركز الأول في الدخل القومي، مع السير بالتوازي على طريق التحديث العسكري وتوسيع جاذبية القوة الناعمة.


في القرن العاشر كانت الصين الدولة الأرقى والأقوى والأكثر انتاجاً في العالم قبل أن تضربها رياح حرب الافيون ويعيدها الى الوراء سباق التدخل الغربي في مواردها. في منتصف القرن العشرين تمكنت الثورة الشيوعية من اسقاط النظام وبناء نظام جديد، ويروي كين بيراينو في كتاب جديد تحت عنوان قوة سريعة: ماو، ترومان، وولادة الصين المعاصرة ١٩٤٩ قصة السجال في أميركا حول التعامل مع الحدث الكبير. كان والتر جود أحد النواب الذين دعوا أميركا الى الوقوف ضد ماوتسي تونغ في آسيا كما وقفت ضد ستالين في أوروبا. لكن وزير الخارجية دين اكشيسون الذي تحدث عن مبدأ الكبح الاستراتيجي، رأى مع جورج كينان صاحب نظرية الاحتواء ان انتصار ماو هو نتيجة مد عميق ضخم لقوى محلية فوق قدرتنا على السيطرة. لا بل ان كينان اعترف بأن أميركا ليست جاهزة بعد لقيادة العالم الى الخلاص.
وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين قال زعيم الحزب الشيوعي ورئيس الجمهورية شي جين بينغ أمام المؤتمر التاسع عشر للحزب ان الصين على مفصل تاريخي لدخول حقبة جديدة تسجل صيرورة البلد قوى عظمى.


في التقليد الصيني ان الامبراطور هو أيضاً المعلم استاذ الفكر. وما حدث في المؤتمر الأخير هو صنع امبراطور ومعلم بعد قائدين تاريخيين للثورة الشيوعية. الأول هو بالطبع ماوتسي تونغ الذي قاد الثورة ثم تخوف من بيروقراطية الدولة فأطلق ثورة ثقافية أحدثت أكبر

تخريب في الحزب ودمار في البلد وجعلت الاقتصاد على الأرض. والثاني هو دينغ هسياو بينغ الذي نجا من أهوال الثورة الثقافية وقاد البلد بعد موت ماو ونهاية عصابة الاربعة نحو التنمية الاقتصادية. كان شعاره لا يهم ان كان الهر اسود او ابيض ما دام يصطاد الفئران وكان ما أوصى به هو التواضع في السياسة الخارجية، وان تخبىء الصين مصباحها تحت مكيال وتنتظر الزمن. والثالث هو شي جين بينغ الذي قاد الانفتاح في الاقتصاد والتحديث في الجيش ومكافحة الفساد.


ذلك ان المؤتمر قرر ان يدرج في ميثاق الحزب فكر شي جين بينغ الاشتراكي على الطريقة الصينية في العصر الجديد. وهذا أمر لم يحدث الا لماو ودينغ. وخالف التقليد منذ حدد عشر سنين في السلطة للمسؤولين الكبار يجدد لهم خمس سنوات بعد خمس سنوات، ويسمي المرشح المقبل لزعامة الحزب، اذ لم يظهر بين اعضاء اللجنة الدائمة السبعة اي اسم لخليفة شي، بما يوحي انه قد يبقى في السلطة اكثر من عشر سنين.
لا بل ان انصاره حصلوا على اربعة من اصل سبعة يمسكون بالقرار، وعلى ١٧ من اصل ٢٥ عضوا في المكتب السياسي. وآلاف المندوبين وقفوا يصفقون له وهو يقول ان المؤتمر حقق الانتصار الحاسم في بناء مجتمع ثري معتدل وبدء رحلة لاكمال بناء صين اشتراكية عصرية والتطلع لان تلعب الصين عام ٢٠٥٠ دور قائد كوني بعدما انتقلت من ثورة اقليمية عظمى الى قوة عالمية عظمى.


الزعيم الذي سبق شي طرح في مؤتمر سابق للحزب سؤالا بعدما كثر الاثرياء: هل يمكن ان تكون شيوعيا وغير فاسد؟. شي قام باكبر حملة ضد الفساد شملت ٢٧٨.٠٠٠ كادر، بينهم ٤٤٠ من مستوى وزاري وحكام مناطق و٤٣ عضو لجنة مركزية، وسجن ٥٠ جنرالا وطرد ١٣.٠٠٠ ضابط. وهو اطلق اكبر مشروع اقتصادي تحت عنوان حزام وطريق لتحديث ما كان طريق الحرير. مشروع كلفته تريليون دولار لاقامة بنية تحتية ممتدة من الصين الى اوروبا مع امتدادات الى جنوب شرق آسيا وشرق افريقيا. طريق بري وطريق بحري.


كل ذلك، مع التشدد ومنع اي انتقاد لقيادة الحزب وبرنامجه وزعيمه. والسؤال هو: كيف يمكن التوازن بين الذهاب في الانفتاح الاقتصادي الى الحد الضروري والاصرار على الانغلاق السياسي الى الحد الأقصى؟ أليس من الخطر جمع كل السلطة السياسية والعسكرية والثقافية والاقتصادية في يد زعيم؟ واذا كان من الوهم توقع ديمقراطية سياسية في نظام الحزب الواحد المعتمد على ما سماها لينين المركزية الديمقراطية التي هي ديكتاتورية الامين العام لا البروليتاريا، فهل يمكن الوصول الى تلطيف السلطوية؟
    قرأ هذا المقال   61 مرة
غلاف هذا العدد