إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

اميركا والصين وروسيا:
الصراع على أوراسيا
كريس باتن آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ يصحح رواية شائعة من زمان على الألسنة في معظم بلدان العالم. الرواية عن جواب رئيس الوزراء الصيني شو ان لاي عن سؤال للرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون. الضيف الاميركي سأل مضيفه الصيني عن دروس الثورة الفرنسية وأثرها على الثورة الصينية. والجواب كان: من المبكر جداً تقييم ذلك. لكن باتن يروي ان شو كان يتحدث عن انتفاضة الطلاب في فرنسا عام ١٩٦٨ ايام الجنرال ديغول وليس عن الثورة الفرنسية عام ١٧٨٩.
واليوم يبدو، مع صعود الرئىس شي جين بنغ الى مرتبة ماوتسي تونغ ودينغ هسياو بنغ، ان اكثر الكتب قراءة لدى كوادر الحزب الشيوعي الصيني هو كتاب صادر عام ١٨٥٦ للمفكر الفرنسي الكسيس دو توكفيل تحت عنوان النظام القديم والثورة. دو توكفيل يسجل في الكتاب ان نمو الثروة في فرنسا خلال القرن الثامن عشر جعل حكم فرنسا اكثر صعوبة. لماذا؟ لانه عندما تصبح الناس اكثر ثراء، يزداد الانتباه الى اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية والتي تزيد من سلطة الغني والقوي. لكن محاولات اصلاح النظام تكشف معطوبيته وتفتح الطريق امام انفجار الثورة ضد الملكية والارستقراطية. وهذا ما حدث فعلاً في فرنسا.
وما تطلبه قيادة الحزب الشيوعي من قراءة الكتاب هو تعلم الدرس، لئلا يتكرر الأمر في الصين، حيث ازدادت الثروة وكثر الفساد في اوساط الكادرات الشيوعية المتسلطة.


ولا أحد يعرف الى أي حد يمكن تعلم الدرس، وسط تنفيذ البرنامج الذي أشرف عليه الرئىس شي لزيادة الانفاق العسكري وتهيئة الظروف في الداخل والخارج لكي تلعب الصين دور القوة الكونية العظمى. فالبناء مستمر لتصبح الصين قوة بحرية. ومشروع العصر تحت عنوان حزام وطريق هو توسيع هائل لما كان طريق الحرير. كلفة المشروع تريليون دولار للانفاق على بنية تحتية من الصين الى اوروبا مع امتدادات نحو جنوب شرق آسيا وشرق افريقيا، اي دمج اوراسيا ضمن خطة ماريشال صينية في اطار استراتيجية عظمى.

وهذا ما يخيف اميركا وما بدا الهمّ الذي له الاولوية في المدى المتوسط على الهموم والمخاطر الملحة على المدى القريب من روسيا وكوريا الشمالية وايران في استراتيجية الامن القومي التي اقرها الرئىس دونالد ترامب. ومن هنا طرح الخبير الاميركي الاستراتيجي الاستاذ في جامعة هارفارد جوزف ناي صاحب تعبيري القوة الصلبة والقوة الناعمة السؤال الكبير: هل انتهى العصر الاميركي؟


جواب ناي استعاد الاساس النظري للرهانات الاستراتيجية المختلفة. الصين تراهن على معادلة المنظِّر الجيوسياسي البريطاني قبل قرن هالفورد ماكيندر وخلاصتها ان من يسيطر على اوراسيا يسيطر على العالم. واميركا أخذت، على العكس بنظرية الادميرال ألفرد ماهان في القرن التاسع عشر، وهي جمع القوة البحرية والاحواض البرية. وهذا ما قاد جورج كينان الى بناء نظرية الاحتواء للاتحاد السوفياتي على تحالف اميركا مع الجزر البريطانية واليابانية وشبه الجزيرة في اوروبا الغربية لاقامة توازن قوى كوني لمصلحة اميركا. والسؤال الذي طرحه ناي في النهاية هو: الصراعات الجيوسياسية في القرن التاسع عشر كانت حول المسألة الشرقية، فهل تصبح الآن حول المسألة الاوراسية؟


استراتيجية الأمن القومي الاميركي تضع الصين وروسيا في خانة الدول التحريفية. وهذا تعبير استعمله الزعيم السوفياتي ستالين ضد الزعيم اليوغوسلافي تيتو، عندما اختلف معه وطرد حزبه من المنظومة الاممية الشيوعية. وهو ايضا ما استخدمه ماوتسي تونغ ضد خروشوف بعد الخلاف بينهما. لكن من الصعب ان يكون له معنى واضح في العالم التنافسي الحالي بين اميركا والصين وروسيا. فما يفعله الرئىس دونالد ترامب تحت شعار اميركا اولاً هو خروج على النظام العالمي الذي قادته اميركا منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية. واتهام مستشار الأمن القومي الجنرال ماكماستر للصين وروسيا بأنهما تبحثان عن تغيير قواعد النظام العالمي هو تغطية لاندفاع ترامب في تغيير تلك القواعد.
ومن الوهم ان تراهن اميركا على اعادة عقارب الساعة الى الوراء للبقاء كقوة عظمى وحيدة على قمة العالم. ومن الصعب على الصين، ولو كانت قاعدتها الاقتصادية قوية، ان تتقدم على اميركا. والأصعب، في ظل الوضع الاقتصادي الضعيف هو ان تستعيد روسيا دور الاتحاد السوفياتي في نظام الثنائية القطبية مع اميركا. والأفضل للعالم هو تعدد الاقطاب واستمرار التنافس بين اميركا وروسيا والصين وصعود الاتحاد الاوروبي الى دور قوة كونية.
    قرأ هذا المقال   271 مرة
غلاف هذا العدد