إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

مفاجأة التعداد الفلسطيني: في لبنان 174ألفاً لا نصف مليون!
إحصاء لبناني - فلسطيني هو الأول من نوعه... فهل يتصف بالدقّة الكافية؟
كانت المفاجأة في محلّها، الأسبوع الفائت. فقد أظهر إحصاء لم يسبق له مثيل، نشرته السلطات اللبنانية، أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يزيد قليلاً عن 174 ألفاً، علماً أن التقديرات المتداولة منذ عشرات السنين كانت تتحدث عن أعداد أكبر بكثير، وتراوح ما بين 400 ألف في الحدّ الأدنى و600 ألف في الحد الأقصى، في غياب الأرقام الإحصائية الدقيقة.
وأجرت هذا الإحصاء، الأول من نوعه في لبنان، لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني التابعة للحكومة اللبنانية والتي يغطي عملها 12 مخيماً للاجئين الفلسطينيين تحوّلت مع الوقت إلى أحياء سكنية كبيرة تعاني من أوضاع إنسانية بائسة، و156 تجمّعاً للفلسطينيين.
ولا تدخل القوى الأمنية اللبنانية المخيمات الفلسطينية بموجب اتفاق غير معلن بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات اللبنانية، وتمارس الفصائل نوعاً من الأمن الذاتي داخل المخيمات، وتنسيقاً أمنياً وثيقاً مع الأجهزة الأمنية اللبنانية.
وأكبر هذه المخيمات عين الحلوة حيث يعيش 54 الف لاجىء. وهو يتميز بوجود جماعات متطرفة ومجموعات خارجة عن القانون، إضافة إلى فصائل عسكرية متعددة المرجعيات، مع التذكير بأن العامل الفلسطيني كان سبباً أساسياً في انفجار الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1990، وهو ما زال موضوعاً حاضراً في الخطاب السياسي لبعض القوى اللبنانية التي تعرب عن تخوّفها إزاء توطين الفلسطينيين في لبنان، بفعل السعي الإسرائيلي إلى حرمان المواطنين الفلسطينيين المقيمين في الشتات حقّهم الوطني المشروع في العودة إلى وطنهم.
ويشرح هذا الإحصاء أوضاع 174 ألف فلسطيني يعيشون في لبنان، وأكثر من 18 ألفاً وفدوا من مخيمات سوريا هرباً من الحرب هناك. وبحسب الإحصاء، يعاني ١٨.٤% من اليد العاملة الفلسطينية من البطالة، و٧.٢ من اللاجئين الفلسطينيين يعانون من الأميّة، لكن نسبة من يرتادون المدرسة ممن هم بين ثلاث سنوات و13عاما تبلغ ٩٣.٦%.

وتشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا إلى أن مخيمات لبنان تعاني من الفقر والاكتظاظ السكاني والبطالة وظروف السكن السيئة والنقص في البنى التحتية. وبحسب أرقام الوكالة فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجّلين لديها يبلغ 469 الفاً.
وقالت المتحدثة باسم الوكالة هدى سمرا في إيضاح ذلك: ليس لدينا إحصاء عن اللاجئين الفلسطينيين المقيمين حالياً في لبنان. وما لدينا هو سجل رسمي بعدد المسجّلين، فإذا قرر أحدهم أن يغادر لبنان لا نعرف بذلك. وأضافت نرحب بنتائج هذا الإحصاء، الأول منذ العام 1948، معتبرة أن من شأنه أن يساهم في تطوير البرامج المخصصة للاجئين الفلسطينيين استناداً إلى ما يتضمنه من معلومات اجتماعية واقتصادية.
القيمون على الإحصاء يشددون على دقته. ولكن، في ظل هذا الغموض والتناقض، ثمة من يطرح أسئلة: لماذا تمّ اليوم إعلان هذه النتائج المفاجئة، والتي تقلص عدد الفلسطينيين في لبنان إلى هذا الحدّ، وهل هناك دقّة كافية في إصدار هذا الإحصاء أم سيكتشف أحد أن هناك ثغرات فيه؟
اعلنت المديرة العامة لادارة الاحصاء المركزي اللبناني الدكتورة توتليان غيدانيان أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات بلغ 174.422 فرداً في العام 2017 يعيشون في 12مخيماً و156 تجمعاً فلسطينياً في المحافظات الخمس في لبنان. كما أظهرت نتائج التعداد أن حوالي ٤٥% من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في المخيمات مقارنة مع ٥٥% منهم يعيشون في التجمعات الفلسطينية والمناطق المحاذية، مع التركز في منطقة صيدا بواقع ٣٥.٨%، تليها منطقة الشمال بواقع ٢٥.١% بينما بلغت نسبتهم في منطقة صور ١٤.٧% ثم في بيروت بواقع ٣١.٤%، كما بلغت النسبة في الشوف ٧.١% ثم منطقة البقاع بواقع ٤%.
وفقاً لسجلات الأونروا، إن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، في بداية العام 2011 بلغ 455373 لاجئاً، هم ٩% من مجموع اللاجئين المسجلين، يعيش منهم في 12مخيماً، ٣.٥% حسب السجلات، وبنسبة زيادة سنوية تبلغ ١١.٩%. وتُقدّر حالات العسر الشديد ب ١١.٩%، أي ما يساوي 54267 حالة.
والمسح الأُسري الذي أجرته الأونروا بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت، في صيف 2010 على عيّنة من 2600 أسرة، تضمن معلومات ديموغرافية كمقدمة للمسح، وهي تقديرات الأونروا الميدانية الواقعية، وليست المسجلة.
وذكر التقرير أن عدد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان فعلاً يتراوح بين 260 ألفاً و280 ألفاً، وهو رقم تقديري يُستخرج عادةً من عدد البطاقات الصحية النَشِطة، أو من عدد التلاميذ المسجلين 5 هو معدل عدد أفراد عوائلهم، وفي الحالتين هو تقدير غير دقيق، لكن التقديرين يستأنسان ببعضهما، ويُصنف نصف هؤلاء عمرياً تحت 25عاماً. تبلغ حالات الفقر الشديد نسبة ٦.٦%، أما نسبة الذين هم دون خط الفقر فتبلغ ٦٦.٤%، وتبلغ نسبة العاطلين من العمل ٥٦%.

لعبة الأرقام
في أول كانون الثاني/يناير 2014، أصدرت الأونروا تقريراً عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فأشارت إلى أن عددهم هو 483.375 نسمة. وبعد عام، في أول كانون الثاني/يناير 2015، أصدرت تقريرها التالي، وفيه أصبح العدد 493.134 نسمة، أي بزيادة نحو ٢% سنوياً.
ويعني هذا أن العدد المفترض يجب أن يكون قد أصبح اليوم، بعد عامين تماماً، حوالى 515 ألف نسمة. وكانت الدوائر الرسمية اللبنانية مقتنعة بأن العدد ربما يكون في حدود ال 400 ألف، لأن هناك أعداداً من الفلسطينيين غادروا تباعاً إلى بلدان أخرى.
ولكن، فوجئ الجميع بالعدد الصادر قبل أيام عن إدارتي الإحصاء اللبنانية والفلسطينية، وهو 174 ألف نسمة فقط، ما يدفع إلى السؤال فوراً: هل يُعقَل أن يكون التفاوت في الأرقام شاسعاً إلى هذا الحدّ، وكيف يكون ذلك؟
بعض المدافعين عن التقرير الصادر حديثاً يقولون إن الأونروا تسجّل اللاجئين في لبنان، لكنها لا تسجّل الوفيات غالباً، ولا المهاجرين. ولذلك ينمو العدد في سجلاتها ولا يطرأ عليه تراجع، فيما هناك في الواقع موجات من الهجرة خصوصاً خلال الأزمات والحروب حرب 1975، اجتياح 1982 وحروب المخيمات على اختلافها.
هذا الكلام لا ينفي الشكوك التي ترافق عمل الأونروا، خصوصاً في العامين الأخيرين. فمع مطلع العام الفائت، 2016، بدأ يرتفع مستوى التوتر بين الأونروا واللاجئين الفلسطينيين في لبنان بسبب تجميد المنظمة عدداً من أنشطتها، ولا سيما لجهة التمويل. وهذا ما أثار نقمة عليها. فعمد الفلسطينيون في المخيمات إلى تنظيم تظاهرات شعبية أمام مقرّات المنظمة والإسكوا في بيروت.
الفلسطينيون يتّهمون المنظمة بأنها تقلص خدماتها قصداً، سعياً منها إلى إقفال مكاتبها تدريجاً، ليصبح اللاجئون الفلسطينيون، على غرار النازحين السوريين، من اختصاص المفوضية السامية للاجئين. وهذا الأمر يحمل معاني بالغة الأهمية لأنه يعني عملياً سحب الورقة الدولية الوحيدة التي تعترف بحقّ الفلسطينيين في العودة إلى أرضهم.
الأونروا هي الشاهد الأخير على وجود قضيةٍ لشعبٍ هو الشعب الفلسطيني، وأي تلاعب بمصير المنظمة يعني التلاعب بحقّ هذا الشعب في العودة إلى دياره. وهناك إشارات كثيرة إلى أن إسرائيل تعمل على تصفية هذه المنظمة ليذوب اللاجئون الفلسطينيون في إطار مفوضية دولية تعنى بجميع اللاجئين في العالم. وهي بذلك تكون قد تخلصت من هذا الشاهد المزعج نهائياً.
كل إشارة تتعلق اليوم باللاجئين الفلسطينيين ينبغي النظر إليها بدقّة والتبصُّر في خلفياتها. فالضغط الإسرائيلي لإقرار الاعتراف دولياً بالقدس عاصمة لإسرائيل يمكن اعتباره مدخلاً إلى مفاوضات شاملة ونهائية حول الملف الفلسطيني، تريد منه إسرائيل تحقيق هدفها الأساسي، وهو تصفية القضية الفلسطينية.
لهذه الغاية، ووسط انشغال العرب بحروبهم الداخلية ومعارك الدفاع عن الأنظمة، تستعد إسرائيل للضربة الكبرى. وأبرز نقاطها:
أولاً: القدس واحدة وهي عاصمة إسرائيل التي يكون فيها الاعتراف بيهودية الدولة هو الأساس للحصول على الجنسية.
ثانياً: لا مجال لدولة فلسطينية في الضفة الغربية، بل هناك شبه دولة في غزة وبعض أجزاء من سيناء يجري استئجارها أو مقايضتها مع مصر.
ثالثاً: إنكار حقّ اللاجئين فلسطينيي الشتات في العودة إلى أراضيهم. وهناك أفكار يتم تداولها تقضي بتوزيع هؤلاء كالآتي:
- جزءٌ منهم يتم تشجيعه للبقاء في الدول التي يستوطنها منذ عشرات السنين، في أوروبا وأميركا.
- جزءٌ منهم يمكن تشجيعه على المجيء إلى غزة، وسيناء خصوصاً، حيث يتم تحضير مشاريع اقتصادية ضخمة يمولها أثرياء العرب.
- جزءٌ منهم يجري توزيعه في دول عربية ليست حتى اليوم من دول الشتات الفلسطيني.
- جزءٌ منهم يجري توطينه في البلدان العربية، حيث هو حالياً، ولا سيما الأردن وسوريا ولبنان. وهنا يمكن التفكير في ما ينتظر الفلسطينيين والدول العربية الثلاث في المرحلة المقبلة.
إذاً، في ظل هذه المعطيات، يصرّ البعض على طرح العديد من الأسئلة حول العدد الأخير الصادر عن دائرتي الإحصاء اللبنانية والفلسطينية:
- هل تمّ التدقيق فعلاً في العدد؟ وهل وصل الفريق العامل إلى كل مكان يوجد فيه فلسطينيون في لبنان، في المخيمات وخارجها؟ ألم يكن هناك أماكن يضيع فيها الفلسطينيون ويصعب العثور عليهم أو ممنوع العثور عليهم لأسباب أمنية أو لغير ذلك؟
- يمكن أن يكون العدد الذي تحدده الأونروا أدنى من العدد الحقيقي، بناء على التبريرات المعلنة. ولكن، هل يجوز أن يكون الفارق أكثر من 300 ألف نسمة 515 ألفاً ناقص 174 ألفاً 341 ألفاً أي قرابة الثلث. وكيف للناس أن يصدقوا أن هذا الرقم هو الصحيح وأن الأرقام التي كانت تعلنها المنظمة الدولية الوحيدة المعنية بالملف منذ نشوء أزمة اللجوء كانت غير واقعية ولرفع العتب لا أكثر ولا أقل؟!
وفي الخلاصة، هل صحيح أن لبنان مجبر على توطين جزء من الفلسطينيين الموجوين على أرضه، مقابل السماح له بالاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.
وهل صحيح أن توطين الفلسطينيين هو أحد الشروط الدولية للسماح بتركيب السلطة السياسية القائمة حالياً وحمايتها؟
وتالياً، هل صحيح ما تردّد نقلاً عن أوساط دولية من أن توطين جزء من الفلسطينيين في لبنان هو الشرط اللازم تحقيقه للسماح للبنان بإخراجه ثروته النفطية بعد تعثر لسنوات؟
وهل سيقال للبنانيين: لم تعودوا في حاجة ماسة إلى أموال المساعدات. لقد خففنا الضغط عنكم كثيراً. ولم يعد عندكم نصف مليون فلسطيني بل 174 ألفاً، ويكفيكم النفط والغاز لتستوعبوا الحصة المطلوبة من اللاجئين!!

أين ذهبوا؟
ويبدو الفارق بين رقم المسجلين في الأونروا وواقع متوسط هو 341 ألفاً تقريباً من المقيمين المسجلين. ويقال إن هناك 205 آلاف غادروا لبنان بشكل شبه نهائي أو يزورونه دورياً بجوازات سفر غالباً ما تكون غربية حسب إحصاء FAFO يكون الذين غادروا 225 ألفاً، والرقم يقارب النصف.
وتسأل مصادر فلسطينية: أين ذهبت البقية؟ وكيف؟ وتستدرك: تعرّض فلسطينيو لبنان لعدة موجات من الهجرة بسبب البحث عن ظروف حياة أفضل، ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية وعلى رأسها الظروف الأمنية. وموجات الهجرة الأولى بدأت في خمسينيات القرن الماضي صوب الخليج بحثاً عن العمل وخصوصاً في الكويت، واستمرّت الموجة خلال الستينيات وجزء من السبعينيات منه، حين تركزت هجرات العمل إلى الإمارات العربية المتحدة.
أما أوروبا، فقد بدأت الهجرة إليها عبر الهجرة التعليمية إلى ألمانيا الشرقية. وفُتحت كوّة من ألمانيا الشرقية عبر مدينة برلين من خلال نقطة ميتة لا تقع تحت سيطرة أحد، فكان ينفذ المهاجر الفلسطيني عبرها إلى ألمانيا الغربية. كان الفلسطيني يخرج من برلين الشرقية إلى برلين الغربية، كي يعيد ضبط إجراءات سفره وأوراقه ويعود، ولكنه كان ينتقل بالقطار المحميّ بمعاهدة تحت أعين الجنود الشرقيين، من برلين الغربية إلى بقية مدن ألمانيا الغربية. ثم فتحت ألمانيا الغربية أبوابها لتهريب اللاجئين إلى أراضيها، بصيغة ادخلوا، ولا تدعونا نراكم داخلين، وصححوا أوضاعكم بعد الدخول!، وهذا الصيغة اعتُمدت لاحقاً في السويد والدنمارك ولندن، كما تقول المصادر.
وكانت هذه الموجات نتيجةً مباشرة لفتح الأبواب مواربةً في تلك البلدان، حيث كان ذلك يتمّ في فترات الضغط على الفلسطينيين في لبنان، كعلاج لتنفيس حالة الاحتقان التي تتحكم به في تلك الظروف. ومنها:
- الحرب الأهلية اللبنانية 1975: أنتجت الهجرة إلى ألمانيا.
- الاجتياح الإسرائيلي 1982: فتحت السويد أبوابها للاجئين.
- حرب المخيمات 1985 - 1988، وهذه كانت الموجة الأكبر، حيث استكملت السويد استيعابها، وأكملت مهمتها الدنمارك.
- حرب التحرير 1989.. فُتحت أبواب بريطانيا الموارِبة، عبر تأشيرات الترانزيت إلى بلدان في أميركا، ويجري التسلل خلال محطة الترانزيت إلى لندن.
وتسأل المصادر عبر شبكة لاجئ: هل حقاً جاءت الهجرات كعلاج لهذه الأحداث؟ أم أن الأحداث جاءت لتبرير الهجرات المقرّة سلفاً؟ أم أن الأمرين منفصلان، وتلقت بعض الجهات أمراً للاستفادة من المستجدات؟

الفلسطينيون في سوريا
ويقول مسؤول الإعلام في الجبهة الديمقرطية لتحرير فلسطين فتحي كليب: يمكن رصد الكثير من الاسباب الكامنة وراء عدم وجود احصاءات رسمية ودقيقة لعدد اللاجئين الفلسطينيين. فبعضها على علاقة بواقع التشتت الذي يعيشه الفلسطينيون عموماً واللاجئون خصوصاً وتوزعهم على مناطق جغرافية ذات خصائص سياسية واقتصادية اجتماعية وتاريخية مختلفة، وبعضها الآخر عائد الى اعتبارات تتعلق ببعض الدول العربية المضيفة للاجئين، وثالثها عدم وجود هيئات فلسطينية قادرة على انجاز مثل هذا الأمر في مراحل تاريخية معينة نتيجة طغيان منطق الثورة والعمل الفدائي على ما عداه من امور، بحيث كانت مسائل من مثل الاحصاء والتعداد من الأمور الهامشية مقارنة بقضايا اخرى ذات اولوية، اضف الى ذلك حالة الفوضى التي عاشها لبنان خلال سنوات الحرب الأهلية وعجز اية هيئة محلية او دولية عن القيام بمثل هذا الإحصاء حيث بقيت وكالة الغوث المصدر الرئيسي القادر على تقديم بيانات احصائية ومعطيات رقمية عن عدد اللاجئين الفلسطينيين.
ففي سوريا كان آخر تعداد سكاني اجرته الحكومة السورية عام 2004، وكان من المفترض اجراء تعداد آخر في العام 2014، نزولاً عند توصية الامم المتحدة لجميع الدول بضرورة تنظيم إحصاءات تفصيلية للسكان والمساكن مرة على الأقل كل عشر سنوات. لكن بسبب الازمة السورية تأجل المشروع ولم يتم انجازه حتى اللحظة.
المهم هنا هو ان التعداد الذي نفذ عام 2014 لم يضع اللاجئين الفلسطينيين في اي باب من ابوابه، وصدر ملحق خاص بأعداد اللاجئين الفلسطينيين استند الى ارقام مؤسسات الإحصاء الفلسطيني ووكالة الغوث، على رغم ان ما تقدمه هاتان المؤسستان من معطيات رقمية لا يدخل في باب التعداد، بل عبارة عن ارقام المسجلين في القيود واخرى تقديرات ليست دقيقة لافتقادها الى الكثير من عناصر التعداد بمعناه العلمي.
لذلك جاءت الارقام المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا مستندة اما الى ارقام وكالة الغوث او الى الارقام الموجودة بحوزة وزارة الداخلية السورية وهي عبارة عن احصاءات حيوية تهتم فقط بجمع البيانات الرقمية لقضايا الولادات والوفاة والزواج والطلاق وغيرها وعادة ما تكون خالية من اي تحليل اقتصادي واجتماعي للفئة المستهدفة بالاحصاء.

... وفي الأردن
وأما الاردن الذي يستضيف العدد الاكبر من اللاجئين الفلسطينيين، فقد درج على اجراء تعداد سكاني مرة كل عشر سنوات، وفقاً لقانون الإحصاءات العامة. وقد نفذ الاردن منذ تأسيس المملكة وحتى اليوم ستة تعدادات كان آخرها في العام 2015 اعلن عنه عام 2016 حيث وصل عدد سكان الاردن الى 9.5 ملايين نسمة بينهم 6.6 ملايين أردني ونحو ثلاثة ملايين غير أردني منهم 634 ألف فلسطيني. علماً أن رئيس الوزراء الأردني عبدالله النسور كان قد اعلن سابقا أن عدد سكان الأردن بلغ 11 مليون نسمة، منهم مليون مغترب، ومليوني لاجيء فلسطيني غير أردني ما طرح تساؤلات عن سبب اسقاط نحو 1.5 مليون لاجيء فلسطيني من قوائم اللاجئين الفلسطينيين في الأردن.
ويضيف كليب: اما في لبنان فقد اخضع اللاجئون الفلسطينيون لاعتبارات ومشاكل الاحصاء التاريخية الموجودة في لبنان والتي تعتبر انعكاساً للمشكلات السياسية والطائفية. وأحد اهم الاسباب لعدم وجود ونشر تعداد او احصاء رسمي لبناني، ليس لعدد اللاجئين الفلسطينيين فحسب، بل لعموم سكان لبنان، هو طبيعة النظام السياسي اللبناني والتوازنات الداخلية التي كانت تتحكم بأية عملية تعداد منذ اعلان استقلال لبنان عام 1943 والتي ظلت قائمة منذ تلك الفترة وحتى اليوم رغم التوصل الى اتفاق الطائف عام ١٩٩٠ الذي كرس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين.
ويضيف: إن قضية الأرقام المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، تعتبر واحدة من أخطر المسائل الشائكة في الصراع العربي والفلسطيني - الاسرائيلي، خاصة وأن ليس هناك رقم محدد ومتفق عليه بين الأطراف المعنية بهذا الصراع. هذا ما بدا واضحا في إجتماعات لجنة اللاجئين المنبثقة عن المفاوضات المتعددة الاطراف قبل توقف عملها، والتي عقدت العديد من الإجتماعات في أكثر من دولة ونظمت الكثير من المؤتمرات والأبحاث من دون أن تتوصل إلى رقم يمكن الإعتماد عليه في أية عملية مفاوضات مقبلة.
ومسألة الارقام هي تماس مباشر مع بعض القضايا القانونية المتعلقة بمكانة اللاجيء القانونية. فإنطلاقاً من تعريف الاونروا للاجيء الفلسطيني وعلى خلفية التفويض الممنوح لها والمحدد باغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الى حين العودة، فهناك تخوفات برزت مؤخرا خلال التحركات الشعبية التي نفذها اللاجئون الفلسطينيون رفضاً لتخفيض خدمات الاونروا من أن تشكل الاونروا رأس حربة لمشاريع سياسية تستهدف قضية اللاجئين وحق العودة من مدخل تقليص خدمات وكالة الغوث. وهناك العديد من المؤشرات التي تؤكد صحة هذه التخوفات، خاصة عندما يتم الربط، وبشكل متعمد، بين الخدمات التي تقدمها الوكالة وأعداد المسجلين في قيودها.. وليس سراً القول ان هناك العديد من الاطراف تسعى إلى العبث بالمكانة القانونية للاجئين من مدخل تقليص خدمات الاونروا. من هذه الزاوية يصبح التشكيك أمراً مشروعاً، بل واجباً على جميع الهيئات والاشخاص إثارة الموضوع على أعلى المستويات، وأن مسؤولية الاونروا هي في تقديم الإيضاحات.
وهناك استهداف واضح لقضية اللاجئين الفلسطينيين ولحق العودة مدخله التلاعب بالأرقام. والنموذج الواضح بهذا الاطار القانون الذي أقرته لجنة الميزانيات في مجلس النواب الأميركي بشأن تعديل تمويل المساعدات الخارجية لعام 2013، الذي يلزم وزارة الخارجية بالإبلاغ عن عدد الذين يستحقون المساعدات من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين الذين يتلقون مساعدات من وكالة الغوث. ويسعى القانون لحصر أعداد اللاجئين وتمييز من تركوا بيوتهم عام 1948 أو في حرب الأيام الستة، ومعرفة عدد ذريتهم.
وفي تقدير كليب أن مشكلة التعريف لمفهوم اللاجىء في المفاوضات العربية والفلسطينية - الاسرائيلية ترتدي اهمية كبيرة، نظراً للنتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك. وليس غريباً ان أول نقطة اصطدمت بها لجنة اللاجئين في المفاوضات المتعددة الأطراف، كانت مشكلة الاتفاق على تعريف موحد للاجئين، والتي لم تتوصل الى اية نتائج ايجابية، بسبب موقف الوفد الاسرائيلي، الذي اثار موضوع المواطنين اليهود الذين غادروا الدول العربية، واعتباره بان أي تعريف محتمل للاجئين، يجب ان يشمل هؤلاء.
في الخلاصة، ومن دون التشكيك في الأرقام الجديدة، يصبح مشروعاً أن يطرح اللبنانيون والفلسطينيون على حدّ سواء، أسئلة عن دقة أية معلومات يجري تقديمها في شأن الفلسطينيين وواقعهم في لبنان وأية دولة أخرى، لأنها تأتي في لحظة يستعد فيها الأميركيون والإسرائيليون لفتح مفاوضات حول ملف العودة، قد يكون حاسماً في تقرير مصير الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
    قرأ هذا المقال   5069 مرة
غلاف هذا العدد