إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

تجارب الثورات في ايران:
ديمقراطية ثم سلطوية وثيوقراطية
ليس من المألوف في الجمهورية الاسلامية في ايران مخاطبة المرشد الأعلى الا بإعلان الولاء والايمان بولاية الفقيه. ولا احد يجرؤ عادة على مناقشة مواقفه، قبل الحديث عن التجرؤ على صاحب السلطة المطلقة في الحكم الالهي. لكن طهران شهدت بداية كسر التابو عشية الذكرى التاسعة والثلاثين للثورة الاسلامية، التي قادها الإمام الخميني بمشاركة كل القوى الوطنية، قبل ان ينفرد بالسلطة ويقصي على مراحل شركاء الثورة ضد الشاه: حزب توده الشيوعي، حزب حرية ايران بزعامة مهدي بازركان، الحزب الديمقراطي الثوري، حزب مجاهدي خلق، آية الله طالقاني، آية الله العظمى كاظم شريعتمداري، والشخصيات التي رافقته في باريس ثم في بدايات السلطة، مثل رئيس الجمهورية ابو الحسن بني صدر، وزير الخارجية صادق قطب زاده، وابراهيم يزدي.


والتجرؤ الذي ظهر في التظاهرات الأخيرة حيث طالب المتظاهرون بسقوط الطاغية جاء أيضاً من أركان في النظام. الرئيس حسن روحاني حذّر من مصير مشابه لمصير الشاه قائلاً: على جميع قادة البلاد ان يسمعوا مطالب الشعب وتمنياته. فالنظام السابق فقد كل شيء لأنه لم يسمع نصائح الشعب ولا أصوات الاصلاحيين والمستشارين والأكاديميين والنخبة والمثقفين، والرئيس السابق محمود أحمدي نجاد كرر مواقفه المنتقدة لبعض مواقف الولي الفقيه، والرئيس السابق لمجلس الشورى والمرشح الرئاسي المفروضة عليه الاقامة الجبرية منذ العام ٢٠٠٩ بعد تظاهرات الحركة الخضراء، احتجاجاً على التلاعب بالأصوات في الانتخابات الرئاسية الشيخ مهدي كروبي قال الكثير في فيديو تم تسريبه، اذ خاطب المرشد الأعلى علي خامنئي مباشرة بالقول: انت مسؤول عن النتائج الكارثية لنفوذ الحرس الثوري الاقتصادي

والأمني والسياسي. مؤسسات المستضعفين تحولت الى مجاميع ضخمة للأغنياء الجدد من ضباط الحرس والملالي، ويجب تنفيذ اصلاحات هيكلية قبل فوات الأوان.


والسؤال هو: الى اين يقود ذلك؟ أجوبة النظام، وهي حتى الآن، المفاخرة بقوة الجمهورية الاسلامية وتنامي نفوذها الاقليمي، من دون اشارة الى الازمة الاقتصادية والاجتماعية التي قضت على الطبقة الوسطى وجعلت الطبقة الفقيرة أكثر فقراً. وهي كالعادة اتهام الشيطان الأكبر اميركا بالتحريض، واتهام المتظاهرين بالخظوع لأعداء الثورة، ثم ممارسة اقصى انواع القمع.
والدراسات التاريخية والسوسيولوجية تكشف نوعاً من الثوابت بعد مراحل مهمة من المتغيرات. وآخر هذه الدراسات في كتاب صدر حديثاً تحت عنوان ديمقراطية في ايران: لماذا فشلت وكيف يمكن ان تنجح بتوقيع ميثاغ بارسا.


الكتاب يعيد التذكير بثلاث تجارب ديمقراطية تعرضت للفشل، وثلاث محاولات قوبلت بالعنف في الجمهورية الاسلامية. التجربة الاولى كانت الثورة الدستورية ١٩٠٥ - ١٩١١ المسماة المشروطة. اذ هي قادت الى دستور جديد عام ١٩٠٦ وبرلمان لمراقبة سلطة الشاه واعطاء الشعب السيطرة على البلد. لكن الشاه عاد بعد سنوات الى ممارسة الحكم المطلق. والثانية كانت أقدام الزعيم الوطني رجل البرلمانية لا السلطة الملكية محمد مصدق على تأميم النفط عام ١٩٥٣، لكن الاستخبارات الاميركية والبريطانية اسقطته بانقلاب عسكري قاده الجنرال زاهدي واعاد سلطة الشاه. والثالثة كانت الثورة الاسلامية التي وعد فيها الخميني بالديمقراطية ثم اقام نظاماً ثيوقراطياَ.


وما يراه المؤلف، هو ان هناك صراعات متعددة متجذرة في اساس الثيوقراطية وشاملة بحيث يتعذر اصلاحها. والخلاصة، في رأيه، هي ان الطريق الى الديمقراطية في ايران عبر الاصلاح ليس متاحاً، والنظام يفرض على الايرانيين خياراً وحيداً هو الثورة. لكن التجارب تؤكد ان الشعب يفضل التغيير السلمي على الثورة التي ليست وراء الباب.
وتلك هي المشكلة: التغيير السلمي بالاصلاح صعب لان الديمقراطية تدمر القوة السياسية والامتيازات الاقتصادية للملالي. والثورة تواجه بعد نجاحها تجاوز الديمقراطية الى السلطوية.
والصوت الاعلى في الذكرى التاسعة والثلاثين للثورة الاسلامية هو صوت الحديث عن النفوذ الايراني في اربع عواصم عربية: بغداد، دمشق، بيروت وصنعاء. لكن التحديات امام النفوذ الخارجي تكبر. والتحدي الاهم هو خطر اهتزاز القاعدة الداخلية للنظام.


    قرأ هذا المقال   810 مرة
غلاف هذا العدد