إختر عدداً من الأرشيف  
لبنان

مدير عام الأمن العام: الناس تريد حقها في العقد الاجتماعي المؤسس للدولة

اللواء عباس ابراهيم يقرع جرس الإنذار: إدارة مُضْجِرَة... تنمية صعبة

أكد مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم أن اللبنانيين يظهرون تبرُّماً، لا بل ضجراً عاماً من الإدارة في لبنان ومن أحوال هذه الإدارة، واستند في هذه النتيجة الى مسوحات، اجرتها المديرية العامة للأمن العام، مرعية بالقوانين والقرارات التي تخولها ذلك. ونبّه في مقال نشرته مجلة الأمن العام الى ان التطوير الإداري العام أصبح ضرورة ملحة لتجنب المزيد من الإنتكاسات والخيبات، وان الكلام عن الإصلاح الإداري لم يعد يكفي، لأنه صار صعباً تحقيق أية تنمية مع نقيضين ينهشان الجسد الإداري: فائض في الكادر في أمكنة، ونقص واضح في أخرى.
وفي ما يلي نص المقال الافتتاحية، الذي يعتبر انذاراً خطيراً اذا لم يؤخذ بفحواه، من أجل المسارعة الى معالجة مشاكل الإدارة العامة. وهو تحت عنوان: الإدارة المتطورة حق وواجب.



الإدارة المتطوّرة حقٌ وواجب

المدير العام
اللواء عباس إبراهيم

المسوحات المتعددة التي تجريها المديرية العامة للأمن العام، وفقاً لصلاحياتها وفي نطاق ما نصت عليه القوانين والقرارات، تظهر تبرماً لبنانياً، لا بل ضجراً عاماً من الادارة وأحوالها. بعض الاعتراض موجّه ضد بيروقراطية مستفحلة، تبدد الوقت ولا تأخذ في الاعتبار عمل المواطن وارتباطاته المهنية والحياتية. اما البعض الثاني فهو يسأم من الفساد والرشوة اللذين صارا بنيويين. الاعتراضان مشروعان وواقعيان، حتى انهما مثبتان بالملموس.
الاعتراض الأكثر مدعاة للتوقف عنده، هو ذاك الذي يطاول الجزء الأكبر من الادارة الرسمية، ويعتبرها المواطن غاية في التخلف عن مواكبة العصر. يصدر عن فئات عمرية شابة، حازت مكانة ثقافية وعلمية، وخرجت الى الحياة لتواجه واقعاً بالغ الرثاثة والتردي، في حين ان الوعود كانت تصم آذانها حول مستقبل مشرق يُفترض ان المعنيين بحال البلد يصنعونه. خطورة هذا التبرم تكمن في أنه يأتي مصحوباً برغبات ومساعٍ حثيثة نحو الهجرة، ناهيك بيأسهم مما هو قائم، وفقدانهم الأمل في المقبل المحتمل جرّاء بقاء لبنان في دوامة السجالات السياسية الحادة: المبررة ونقيضها. كذلك استمرار شبح الانقسامات في التحليق، علماً أنهم لم يرثوا غير تاريخ ينضح بالخيبات.
صحيح أن جلّ الاعتراضات لم تستهدف كل المؤسسات الرسمية، من بينها تلك التي محضت ثقة اللبنانيين وأشادتهم بأداء المسؤولين عنها أو العاملين فيها وتضحياتهم. لكن ما هو غير صحي على الاطلاق، اعتبار البعض ان القوة او السلطة المفرطة هما الضامن الوحيد لاستمرار الدول. لكن في العلم الحديث، فإن ما يبني الدول القوية ويضمن استمرار اية حضارة او اية ثقافة، هو الأفكار المتطورة التي تعكس توقاً نحو التطور. الثورة التكنولوجية، والقفزات المهولة في العالم الرقمي، جعلت الدول واستمرارها رهينة العقول وليس الوعود المشبعة سجعاً.
أضحى التطوير الاداري العام ضرورة ملحّة منعاً لمزيد من الانتكاسات والخيبات. وهذا لا يعني في حال من الأحوال الاندفاع في تضخيم الجسم الاداري للاستثمار في السياسة، لأن الأصوب هو الترشيق من كل الترهلات التي اعترته. ذلك ان الناس يريدون ما هو حقهم في العقد الاجتماعي المؤسس لفكرة الدولة. حق المواطن الذي لم يعد قابلاً للتطويع والتدجين عبر استنفار مشاعره او استغلال اوضاعه المعيشية، هو في بساطة العيش بكرامة.
الواقع القائم يستدعي تبصراً في مآل الأحوال التي سينتهي اليها البلد عموماً، من دون أن تستثنى أية جماعة أو فئة. ذلك ان الخراب سيكون عميماً لكون الاندفاع نحو الهجرة من جانب هذا الكمّ وهذا النوع. يعني على وجه من الوجوه اننا نفقد المستقبل. في المبدأ، لا مشكلة مع الاغتراب، حتى أنه مفضل متى كان بهدف التحصيل العلمي او المعيشي، لكن ويا للأسف تحولت الهجرة الى انقطاع عن البلد والأهل والهوية.
المطلوب الآن وقف هذا النزف، لان البلد لا يمكنه ان يستمر في ظل الظروف السائدة. ليس لعاقل ان يقبل بالعيش في ظل قوانين تعود الى ما يزيد عن قرن مضى، وصدرت في ظروف واوضاع مغايرة تماما مع ما صار العالم عليه اليوم. ولا ان يقبل بالعيش وهو مهجوس بكيفية توفير ما هو يفترض ان يكون بديهيا، وعلى كل المستويات الحياتية. فأي كيان يمكنه ادعاء صفة الدولة، بينما مواطنوه تتراجع مناعتهم بازاء الفساد، ويخافون من ان يتحول اي نقاش الى تصلب واستنفار في مواجهة الاستقرار؟
ولان المديرية العامة للأمن العام يتعادل فيها الامني مع الاداري، فان سعيها سينصب خلال العام الحالي على تطوير القدرات البشرية والموارد الادارية، بما يرضي طموحات اللبنانيين. كذلك كي تعطي الزائرين والمقيمين صورة حقيقية عن لبنان الذي تجاوز ازمات بعضها كان خطيرا جدا، خصوصا وان الزخم السياسي على تنوع قواه متفق على تعويض ما فاتنا، واصلاح الاختلالات التي قد تؤثر على الدولة ككيان، وعلى المواطنين سواء بسواء. فالخدمة التي تؤمنها الادارة، بوصفها العلم الذي يرتكز على ايجاد الطرق المثلى واستخدامها لتسخير الموارد البشرية والمادية لتحقيق ما يحتاج اليه المواطن، ليست منّة من احد، بل مسؤولية ينبغي القيام بها على اكمل وجه.
واذا كان الجميع، سلطة ومعارضة، متفقين على توصيف التردي الاداري العام، فان الكلام عن الاصلاح الاداري لم يعد يكفي، ذلك ان لغة العالم الحديث تطورت الى مسألة التنمية الادارية المستدامة، بما يضمن اعادة هيكلة جميع العناصر المكونة للادارة العامة في اطار رؤية جديدة، لا تراعي مقتضيات التحديث فحسب، انما تتواءم معها.
صار صعبا جدا تحقيق اية تنمية او اي تطور علمي وجدي مع وجود نقيضين ينهشان الجسد الاداري: فائض في الكادر في امكنة متعددة، في مقابل نقص فاضح في اخرى. في لبنان قدرات بشرية مميزة في مستوياتها العلمية، ما يجعل امر الترقي سهلا متى توافر القرار السياسي، والامكانات التي ينبغي تأمينها بشتى السبل الممكنة، سواء عبر برامج الدعم الدولية، او عبر اعتماد الانفاق الاجدى.
قرار المديرية العامة للامن العام المضي قدما في مسار التطوير الاداري، لا يعني ابدا اي تراجع في الجهوز الامني لمواجهة كل الاخطار الواضحة والخفية. فقد تم اعتماد جواز السفر البيومتري لمنع اي تزوير، ولرفع مكانته بين غيره من الدول. كذلك تم توقيع اكثر من بروتوكول اكاديمي مع جامعات خاصة لنيل شهادات الماجستير والدكتوراه، بما يطور مهارات عديدنا وكفاياتهم، ويحقق الجودة للمديرية. وكان هذا يحصل بالتوازي مع ترسيخ استراتيجيا الامنين الوقائي والاستباقي اللذين ساهما في مكافحة الجريمة والارهاب، وحالا دون سقوط الضحايا في مختلف المناطق، ناهيك بعملية التطوير من خلال افتتاح دوائر ومراكز مركزية واقليمية في كل الجغرافيا اللبنانية، والاعداد لافتتاح مبان اخرى خلال العام الحالي. جزء كبير ومهم مما تحقق كان نتيجة التعاون مع البلديات والقطاع الخاص.
    قرأ هذا المقال   8242 مرة
غلاف هذا العدد