إختر عدداً من الأرشيف  
متفرقات

معتز غندور... قصة نجاح مذهلة من الشويفات الى العالم
انشأ شركة لتحلية المياه بالتناضح العكسي
وتحولت الى شركة عالمية من أميركا الى الصين!
معتز غندور رجل أعمال لبناني معروف تمتد أعماله في مناطق وبلدان عديدة من العالم، وبصورة خاصة في موطنه الأصلي لبنان وفي منطقة الخليج وفي افريقيا. وحققت شركة ماتيتو التي يتولى إدارتها إنجازات عديدة في إستثمار وإستصلاح المياه. وأتى موضوع الغلاف في مجلة سي إي أو ماغازين العالمية المتخصصة في متابعة أخبار وإنجازات الرؤساء التنفيذيين لكبريات الشركات في العالم، مع طبعاتها المتعددة ليركز على شخصية معتز غندور وإنجازاته في إطار شركة ماتيتو.
لدى الأستاذ معتز غندور رؤية عالمية إزاء المياه بما يتخطى بكثير السنوات ال51 التي أمضاها على رأس شركة ماتيتو. وفي حزيران/يونيو 2017، طلب المراقب الدائم لمجلس الأمم المتحدة الإقتصادي والإجتماعي منه أن يكون سفيراً للنوايا الحسنة من أجل المساهمة في حل معضلة المجاعة في أفريقيا. تردد معتز في البداية، على أن عائلته ضغطت عليه لإدراكها بأن بإمكانه تحقيق ما يمكن أن يشكل الفارق بالفعل. كذلك، يقول معتز ضاحكاً بأن هذا يعني أن العائلة ستكون حاضرة حين يجتمع بالممثلة أنجلينا جولي التي تشارك كثيراًُ في الفعاليات ذات الطابع الإنساني...!
شركة ماتيتو إنشئت قبل عقود عدة، لكنها ما زالت تتطور وتحقق إنجازات رائدة. في 2015، فازت بأول عقد يشترك فيه القطاعان الخاص والعام لمعالجة المياه في أفريقيا جنوبي الصحراء الكبرى، مع مشروع المياه لعاصمة رواندا كيغالي. هذا المشروع يشكل سابقة للتشارك بين القطاعين العام والخاص، وكما يقول معتز غندور فإنه سيكون نموذجاً يُحتذى لكل أفريقيا لدى إستكماله. ومعتز غندور مقتنع بالطاقات والإمكانات الواسعة في أفريقيا، وبأن صيغة التشارك بين القطاعين الخاص والعام هي الأنسب لتلبية حاجات القارة.
ومع هذه الصيغة، تقوم شركة خاصة مثل ماتيتو بإستثمار أموالها في مشاريع لمعالجة المياه بموجب عقد خاص مع حكومة البلد المعني لمدة 25 إلى 30 سنة، مع إمتلاك الشركة لتسهيلات معالجة المياه وحصولها على نسبة العائدات تتفق بشأنها مع حكومة البلد المعني.

هذه الصيغة تخفف الصغوط المالية عن كاهل الحكومة وتساهم في إنجاز مشاريع طموحة، كما يؤكد معتز غندور. وهذا مربح للطرفين، الشركة الخاصة والطرف المتعاقد معها، أي حكومة البلد المعني في غالبية الأحيان.

شركاء دوليون
هذا النوع من الإتفاقات أتاج لشركة ماتيتو أن تبرم عقوداً مع بلدان غير قادرة على إقامة منشآت لتحلية مياه البحر من الناحية المالية. وقد حققت الشركة نتائج خارقة على هذا الصعيد، غير أن تأمين الدعم المالي أمر أساسي لتحقيق النجاح، مع قاعدة من المساهمين الأقوياء. وكان المساهم الأول خارج عائلة غندور، الذي رحبت به ماتيتو هو الصندوق الإستثماري الإماراتي غالف كابيتال، لتأتي من بعده الشركة المالية الدولية التي تشكل ذراع الإستثمار بالقطاع الخاص التابعة للبنك الدولي، ثم شركة ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة ومصرف اليابان للتعاون الدولي.
ويقول معتز غندور أن هذه المشاركات أتاحت له التيقُّن من ان الأفضل للمرء أن يملك حصة صغيرة من شركة كبيرة من أن يمتلك كلياً شركة صغيرة. وقد أتيح لماتيتو أن تنمو وأن تنافس شركات عالمية في مجال إختصاصها، وتتحول إلى شركة عالمية بكل معنى الكلمة.

مسيرة معتز غندور
مسيرة نجاح معتز غندور تعود إلى نصف قرن، وتحديداً إلى 1965 حين تخرج من الجامعة الأميركية في بيروت. في البدء، سعى معتز لأن يكون طبيباً، وهو أكمل دراسته التمهيدية في هذا المجال، غير أنه إختار بعد ذلك أن ينضم إلى أخيه فاروق الذي كان حينها بصدد تحقيق المراحل الأولى لإختراع سيكون من شأنه تبديل الطريقة التي يتم بها توفير المياه في الشرق الأوسط أولاً وسائر أنحاء العالم لاحقاً.
معتز غندور تربى في لبنان ويعرف كيف يختلف مناخ وطنه عن مناخ سائر بلدان المنطقة، وفيه جبال ووديان وشواطىء على البحر المتوسط، ويمكن فيه ممارسة رياضتي التزلج على الثلج أو على مياه البحر في اليوم نفسه!
في 1971، أصبحت ماتيتو أول شركة خارج الولايات المتحدة تصمم وتبني مصنعاً لتحلية مياه البحر مع إعتماد طريقة التناضح العكسي.

فاروق غندور
فاروق غندور كان يحمل شهادة ماستير في الهندسة الكيميائية من الولايات المتحدة، وبعد إكمال دراسته عاد إلى لبنان لينشىء فيه سنة 1958 شركة ماتيتو، وهي أول شركة بلبنان وفي الشرق الأوسط متخصصة في معالجة المياه.
والمشكلة الأولى التي واجهتها الشركة الوليدة أتت بنقص المهندسين الكيميائيين، وعدم وجود هذا التخصص في الجامعات المحلية، ما إضطرها للإستعانة بمهندسين كيميائيين بريطانيين.
ولدى إيجاد حل لهذه المشكلة، فازت الشركة بعقود كثيرة في الشرق الأوسط، لتبرز مشكلة أخرى تمثلت في أن الأخوين لم يكونا يمتلكان الخبرة في مجال إدارة الأعمال، حيث أن فاروق مهندس كيميائي في حين أن معتز يحمل إجازة في علم النفس. ومن هنا تعاقدا مع شركة أميركية للإستشارات في إدارة الأعمال لتساعدهم على تنظيم الشركة وضمان مسيرة من النمو على أسس متينة.
ويقول معتز أن أول مشورة قدمتها الشركة الأميركية كانت ضرورة بناء دائرة مالية قوية تشكل أساساً للشركة. وهذا ما حصل. وفي 1971، أصبحت الشركة الأولى خارج الولايات المتحدة التي تصمم وتبني مصنعاً لتحلية مياه البحر مع إعتماد طريقة التناضح العكسي.

التناضح العكسي
سياق التناضح العكسي معروف منذ أوسط القرن الثامن عشر، على أنه بقي محصوراً في الإطار العلمي البحت لأكثر من 200 عام قبل أن يُستثمر في مجال تحلية مياه البحر. قبل إعتماد هذه التقنية، كانت تحلية مياه البحر عملية سهلة، وإنما مرتفعة التكاليف تتطلب منشآت ضخمة وقدراً كبيراً من أعمال الصيانة.
في سبعينات القرن العشرين، طورت المجموعة الكيميائية الأميركية دوبون مادة غشاء شبه منفذ تتيح فرز المواد المعدنية من المياه، وهذا الإختراع كان موجهاً أساساً إلى صناعة الموصلات الجزئية، على أنه بات يتيح مجالات واسعة لصناعة المياه الصالحة للشرب.
وقال معتز عندور درسنا هذه المادة ووجدنا أنها تزيل جميع المعادن من مياه البحر. مياه البحر تحتوي على أكثر من 47 مادة معندية، أكثرها الملح. أخي كان يعتقد أن بالإمكان إزالة جميع المعادن من مياه البحر وإستعمال المادة لتحلية هذه المياه وجعلها صالحة للشرب، وهذا مهم في الشرق الأوسط حيث المياه الحلوة شحيحة، عكس مياه البحار المحيطة بالمنطقة.
في تلك الأيام، كانت جميع وحدات التناضح العكسي في منطقة الشرق الأوسط تُنتَج في مصنع شركة ماتيتو بالشويفات في لبنان. وكان يعمل لدى الشركة في 1975 أكثر من 270 مهندساً وتقنياً، وتملك مصنعاً ومركزاً للتصميم الهندسي. على أن الحرب الأهلية نشبت في تلك السنة لتستمر على مدى 15 عاماً وتضع آل عندور في وضع صعب.
يتذكر معتز عندور: كان من بالغ الخطورة مجرد الذهاب إلى المصنع، مصنعنا نُهب وقٌصف. أنا خُطفت لبعض الوقت ليُفرج عني مقابل دفع فدية. لم يعد بإمكاننا مواصلة التصدير إلى فروعنا بالشرق الأوسط.
في ظل هذه الأوضاع، هاجر الأخوان فاورق ومعتز إلى لندن، كما أقاما مصنعاً للشركة في مدينة هيوستن الأميركية. وباتت لندن مقر ماتيتو للهندسة والمال والإدارة، في حين أن هيوستن كانت منتجة للتجهيزات. وكل شيء أتى مناسباً، حيث أن الإنتقال إلى لندن وهيوستن أتاح لماتيتو توسيع نطاق أعمالها ليشمل العالم بأسره، في حين أن هذا النطاق كان محصوراً بالشرق الأوسط حين كانت الشركة تعمل في لبنان.

عوامل النجاح
يعتقد معتز غندور أن هناك عدة عوامل وراء نجاح مسيرة شركة ماتيتو. العامل الأول هو منح المسؤولين قدراً من الصلاحية لاتخاذ القرارات بأنفسهم، ما يجعل العمل يتم على نحو أسرع، ويقول أن شركتنا تعمل مثل أية شركة متعددة الجنسيات، على أن نشاطها يتصف أيضاً بروح المبادرة، مستمدة من الطابع العائلي للشركة التي لا تكثر من العمل البيروقراطي وضرورة الحصول على موافقات عديدة قبل تنفيذ القرارات.
العامل الثاني أن ماتيتو لا تخشى المضي في مشاريع جديدة. مثال على ذلك أن الشركة هي اليوم أكبر مستثمر أجنبي لمعالجة المياه في الصين بعد إستحواذها على شركة بيرلينواسر سنة 2011، وذلك رغم أن البداية هناك كانت فاشلة في منتصف تسعينات القرن العشرين, على أن الأخوين غندور تعلما من أخطائهما ليستوعبا مزايا السوق الصينية ويعودا إليها بنجاح ويحتلا موقعاً أساسياً في قطاع معالجة المياه هناك.
العامل الثالث أن معتز غندور يعتبر أن العامل البشري في شركة ماتيتو هو الأكثر أهمية، مع الإعتناء بجميع المستخدمين لديها، ما تجسد بأن الكثير من الأولاد البالغين لهؤلاء المستخدمين إختاروا العمل لدى الشركة إياها. ويقول معتز غندور أنه مسرور جداً حين يتقدم أحد العاملين لدى الشركة بطلب لتوظيف إبنه أو إبنته في ماتيتو، لأنه يعرف أن هذا العامل يريد الأفضل لأولاده، وفي ذلك الدليل على أن الشركة تتصرف على النحو المناسب. ويقول أن تنوع الكفاءات والخبرات بين العاملين لدى الشركة يعني أن 11 في الشركة يساوي 11 وليس 2.
لا أحد يستطيع تحقيق الإنجاز لوحده، وإذا كنت تؤمن بشيء ما، يجب الإستمرار فيه وعدم الإستسلام إطلاقاً.
وكما يقول معتز غندور: ماتيتو تبلغ الستين اليوم ولديها خبرة واسعة وقدرات مالية كبيرة مع رؤية لم تتبدل لتكون المزودة العالمية المختارة للإدارة الرشيدة للمياه. كما يؤكد بأن ما يميِّز ماتيتو عن الباقين في مجال إختصاصها هي تفاصيل دقيقة من قبيل التعرف على نقاط القوة والضعف عند المنافسين، فضلاً عن التعرف إلى قاعدة الزبائن وكيفية تلبية متطلباتهم.
ويقول: نحن لا ننافس أبداً بالأسعار، وإنما بالجودة والنوعية، ما أكسبنا هذه السمعة. إننا نركز كثيراً على قسم التسويق والإتصالات ونقوم بتجديد صورتنا بإستمرار. قبل كل شيء، نحاول أن نكون أفضل رب للعمل. ومع الإتساع المؤسف للفارق بين العرض والطلب في مجال توفير المياه، ولما كان الأمن المائي قد تحول إلى أولوية مطلقة للحكومات في العالم، فإن تطوير حلول وتكنولوجيات جديدة لمعالجة المياه على نحو مستديم قابلة للتطوير التدريجي بات عاملاً لتغيير قواعد اللعبة.
ويختم معتز غندور أنه ما كان ليحقق النجاح في الأعمال لو لم تكن عائلته تقف إلى جانبه. ويقول دعم عائلئي ونجاح كل فرد فيها مصدر إلهام لي. لا أحد يستطيع تحقيق ذلك بمفرده. إذا كنت تؤمن بشيء ما، إستمر في ذلك ولا تستسلم أبداً.

    قرأ هذا المقال   111 مرة
غلاف هذا العدد