إختر عدداً من الأرشيف  
صياد النجوم

الشرطة الأميركية أعادت فتح ملف أغرب قضية هوليوودية
شكوك جديدة حول تورّط روبرت واغنر
في مصرع ناتالي وود قبل أربعين عاماً!
إن أشد ما يرعبني في هذا الكون هو المياه، وخصوصا في عتمة الليل! كانت تلك كلماتها وكانت تلك نهايتها! والمرأة التي قالت هذه العبارة أمام صحافي نقلها بدوره لاحقا إلى رجال الشرطة، سيكون قدرها أن تموت غارقة في المياه، في عتمة الليل، بعد أيام قليلة من لقائها الصحافي وتعبيرها أمامه عن ذلك الرعب المقيم المستبد بها.
ففي ليلة ليلاء، وشديدة البرودة، من أواخر شهر تشرين الثاني/نوفمبر1981، وفي مكان غير بعيد عن جزيرة سانتا كاتالينا على السواحل الغربية للولايات المتحدة، اختفت تلك السيدة ساعات، لتُكتشف جثتها لاحقاً طافية فوق الماء، رأسها إلى الأسفل ومرتدية ثياب النوم.
وكان من الطبيعي أن ترعب الحادثة أهل الفن ورواد صالات السينما وتحزنهم، ذلك أن المرأة التي جاءت نهايتها على تلك الشاكلة، كانت، وهي حية، واحدة من جميلات أميركا الشابات، وواحدة من نجمات هوليوود الأكثر وعداً وتألقاً: ناتالي وود. والأدهى من هذا أنها، حين رحلت، كانت لا تزال في عز الصبا، بالكاد تجاوزت الأربعين عاماً. وبالنسبة إلى المعجبين، كانت رمزاً للسعادة المطلقة!

شخص محل اهتمام
الآن، وبعد مرور نحو 40 عاماً على وفاتها في ظروف غامضة، اعتبرت الشرطة أن زوجها في تلك الفترة، روبرت واغنر، شخص محل اهتمام في إطار التحقيقات بتلك القضية، حسبما أفادت قناة سي بي إس في خلال الأسبوع الفائت.
وقال جون كورينا، المسؤول بشرطة لوس أنجليس لبرنامج 48 ساعة الذي تذيعه القناة المذكورة: أعني أننا نعلم أن واغنر كان آخر شخص برفقة ناتالي قبل وفاتها.
وأوضحت القناة أن الممثل الأميركي واغنر 87 عاما رفض التحدث إلى المحققين.

وغرقت الممثلة، الحائزة على جائزة غولدن غلوب، عام 1981 عن عمر ناهز 43 عاما عندما كانت تبحر قبالة ساحل جزيرة كاتالينا في كاليفورنيا مع واغنر والممثل الأميركي كريستوفر ووكين وكابتن اليخت الذي كانوا يستقلونه جميعا.
وتم العثور على جثتها على سطح المياه، واعتبرت الوفاة على أنها حادث.
وبدأت الشرطة تحقيقاً جديداً في خريف 2011، لكن واغنر لم يكن مشتبها به، حسبما قال المسؤولون حينئذ. وتم تغيير سبب وفاة وود في تقرير جديد لمكتب الطب الشرعي نشر في عام 2013 واعتبر أنه ناجم عن الغرق وأسباب أخرى غير محددة. وقالت الشرطة لسي بي إس إن شهوداً عيان كانوا مسافرين بجوار القارب ليلة الوفاة سمعوا زوجين يتشاجران. وبحسب كابتن اليخت، تشاجر واغنر مع وود بعنف خلال تلك الليلة.
وعثر على العديد من الكدمات على ذراع ورسغ وعنق النجمة السينمائية، من المحتمل ان تكون قد حدثت قبل ان تسقط في مياه المحيط الهادئ وتغرق، وفقا لأحدث تقرير لتشريح الجثة.
وقال المحقق رالف هيرنانديز لقناة سي بي اس يبدو أن وود كانت ضحية اعتداء.

سحر الفتاة الأميركية
من الناحية الفنية اعتبرت ناتالي وود على الدوام، إلى جانب جين فوندا، الوجه الجديد للنجمة كما راحت تبتدعه هوليوود في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بعدما أفل نجم النساء الساحرات من طراز ريتا هيوارث ولانا تورنر ومارلين مونرو، مثلت ناتالي سحر الفتاة الأميركية العادية والجميلة، التي تبدأ حياتها متمردة ثم تنتهي بها الأمور إلى الخضوع أمام ضوابط المجتمع. ولعل نهايتها، التي سنعود إليها لاحقا في هذا التحقيق، لم تكن سوى صورة مفجعة لمصير ذلك التمرد...!
بالعودة بضعة عقود إلى الوراء، وتحديدا إلى العام 1943 نجد أن ناتالي كانت لا تزال تدعى ناتاشا، ولا تزال في الرابعة أو الخامسة من عمرها. ويومذاك كان المخرج ايرفنغ بيشيل يصور فيلم الأرض السعيدة في بلدة تدعى سانتا روزا، واحتاج إلى طفلة في مشهد من مشاهد الفيلم، فجيء له بناتاشا الصغيرة، وهي ابنة مهندس معماري وراقصة باليه من أصل روسي.
أدت ناتاشا الدور بسهولة، فما كان من بيشيل إلا ان أقنع والديها بالسماح لها بأن تكون ابنة اورسون ويلز وكلوديت كولبرت في فيلمه التالي الغد إلى الأبد 1946.
وهكذا دخلت ناتاشا السينما من بابها العريض، وأصبح اسمها ناتالي، وصارت طفلة السينما المدللة.... وهي منذ تلك اللحظة لن تبتعد عن الشاشة أبدا، حتى رحيلها، حيث ماتت ولم تزل لديها مشاهد يجب أداؤها في فيلم بوليسي بعنوان عاصفة الدماغ، ما اضطر المخرج إلى الاستعانة بممثلة أخرى لاستكمال الفيلم.

حلم فتيات العالم
إذن، بين بداياتها الحقيقية طفلة، إلى جانب اورسون ويلز في عام 1946، ونهايتها امرأة ناضجة، في عام 1981، مضت خمس وثلاثون سنة، لا يمكن أن يقال بالطبع أن ناتالي قد تربعت خلالها على عرش هوليوود، لكنها على الأقل عرفت كيف توجد لنفسها مكانة، كواحدة من أجمل وأبرع النجمات الصبايا، حتى وإن كان مستواها الأدائي، قد أثار سجالا على الدوام، إلى درجة أن أحد الاستفتاءات اختارها مرة بوصفها الممثلة الأكثر رداءة في هوليوود لذلك العام.
غير أن ناتالي وود لم تكن لتأبه، عند بداياتها، إلى مثل هذه الأمور... كانت تعرف أن عالم هوليوود قاس، وإن النجاح في حد ذاته يمكن أن يكون وبالا على صاحبه، لذلك راحت، مع بلوغها سن الصبا ثم الشباب، تصر على أن ردها الوحيد هو العمل، وهكذا راحت تعمل وتعمل وتحاول أن تطور نفسها، في الوقت الذي راحت تراقب فيه، بسرور ثم بشيء من القلق، الصحافة وهي تروي عنها الحكاية وتخترع لها العشاق. ولكن هل صحيح أن العشاق كانوا من اختراع الصحافة؟
الحقيقة أن ناتالي وود، في الوقت الذي راحت تقترب فيه من العشرينيات، كانت بدأت تشعر بقدر كبير من الحرية، فهي باستقلالها الاقتصادي تحررت من سيطرة أهلها، ولم تكن لتشعر أن ثمة شيء في هذا الوجود ما يمكنه أن يربطها ويضغط عليها.
ثم، ما العمل والمخرجون، منذ عملها في ثائر من دون قضية 1955 إلى جانب جيمس دين، اختاروا لها دائما شركاء هم في نهاية الأمر، حلم فتيات العالم أجمع؟ حين قامت ناتالي ببطولة هذا الفيلم وهي بعد في السادسة عشرة، قيل إن المخرج نيكولاس راي لم يخترها إلا لأنه أغرم بها... ثم قيل إنها، هي أغرمت بجيمس دين، وإن ذلك كله أنتج حال توتر سادت أيام تصوير الفيلم. لاحقا، ستنفي ناتالي حكاية حب نيكولاس راي لها، لكنها لن تنفي الحكاية التي ربطتها بجيمس دين... مهما يكن في الأمر، حين رحل جيمس دين لاحقا في حادث السيارة الشهير، كانت ناتالي وود أول الباكين عليه وأكثرهم حزنا.

إنطلاقتها الحقيقية
ثائر من دون قضية كان على أية حال بدايتها الحقيقية في عالم النجومية، خصوصا أنها سميت، بفضل دورها فيه، لتكون واحدة من المرشحات لنيل أوسكار أفضل ممثلة، وهو أمر تكرر مرتين بعد ذلك، مرة في عام 1961 عن فيلم روعة فوق العشب من إخراج ايليا كازان الذي عرف كيف يديرها، كمخرج، أكثر من أي مخرج آخر، وجعلها تقبِّل وارن بيتي، قبلة حقيقية على الطريقة الفرنسية، كانت الأولى في تاريخ السينما الهوليوودية، ومرة أخرى عن فيلم الهيام بالغريب في عام 1963، حين لعبت دور فتاة بريئة تحمل من موسيقي هو هذه المرة ستيف ماكوين. غير أن أيا من هذه الأفلام لم ينعم عليها بالجائزة الأسمى في عالم السينما الأميركية.
في المقابل أتى أداؤها لدور ماريا في قصة الحي الغربي 1961 ليوصل شهرتها إلى ذروة الذرى، فتصبح فاتنة الشبان والشابات في العالم أجمع. في ذلك الحين كان كل شيء في الحياة يبتسم لها، وكانت أفلامها الكبيرة لا تزال أمامها، لكن شيئاً ما في حياتها الخاصة كان قد بدأ ينذر بالخطر. حتى وإن كان المعجبون بها لم يتنبهوا إلى ذلك أول الأمر، إذ أن بهاء طلعتها وابتسامتها الدائمة وسمعتها كممثلة تعكس تطلعات الجيل الشاب، كان ذلك كله يقنِّع التعاسة التي كانت بدأت ترتسم في حياتها.
صحيح أن ناتالي وود لم تتزوج سوى ثلاث مرات، اثنتان من رجل واحد هو روبرت واغنر، والثالثة من منتج لم يدم زواجها معه طويلا، إلا أن شيئا من عدم الاستقرار كان يلوح في أفق حياتها منذ وقت مبكر. ولعل ذلك كان سبب أو حتى نتيجة ذلك الغموض القلق الذي كان يثب بين الحين والآخر إلى نظراتها.
فهل يمكن القول إن ذلك نفسه كان في خلفية الجرأة - غير المعتادة في هوليوود تلك الأزمان - التي جعلتها تقبل بقبلة وارن بيتي لها في روعة فوق العشب أو بالظهور شبه عارية في الغجرية 1962 أو بقبول أدوار الفتاة المختلة عقليا في أكثر من فيلم؟
ربما. المهم في الأمر، أن النصف الثاني من حياة ناتالي وود، لم يكن على براءة وروعة النصف الأول، وهي لئن كانت قد أنهت النصف الأول بالطلاق العام 1961 من روبرت واغنز الذي كانت تزوجته في العام 1957، بعد حكاية حب عنيفة تناقلت الصحافة الفنية تفاصيلها في ذلك الحين، فإنها عادة إلى واغنز في العام 1972 لتتزوجه من جديد، بعدما أمضت من دونه عشرة أعوام، كانت تقول إنها كانت شديدة الصعوبة.
وهي في خلال تلك الأعوام أنجبت ابنتها من زوجها المنتج، وقامت بأدوار عدة في أفلام متفاوتة القيمة مثل الجنس والعزباء 1964 والسباق الكبير 1965 وبينلوب 1966، وخصوصا في بوب وكارول وتيد وأليس 1969 الذي كان واحدا من أجرأ الأفلام التي تحققت في هوليوود حتى ذلك الحين... ولكن ماذا بعد ذلك؟

امرأة مهزومة
عندما عادت ناتالي إلى روبرت واغنر في عام 1972، كان تاريخها السينمائي قد بات وراءها كما يبدو، على رغم انها بالكاد كانت تجاوزت الثلاثين من عمرها. فهل معنى هذا أنها عادت إليه امرأة مهزومة؟
أجل... وإن لم تعترف بذلك أبدا. وروبرت واغنر كان في ذلك الحين في ذروة نجاحه!
وعندما عادت ناتالي إلى روبرت، احتفلت صحافة العالم كله بذلك وبكى الكثيرون حسبما نقلت مجلة فانيتي فير عن لانا وود شقيقة ناتالي. ولكن منذ تلك اللحظة وصاعدا، كانت ناتالي هي التي سوف تبكي وحدها: راحت تبكي مجدها الذي بدأ يخبو، وحكايات حبها القديمة الذي ذهبت أدراج الرياح، وخصوصا حب روبرت واغنر لها. إذ، إنها في غمرة انشغالها بالعودة إليه لم تتنبه أول الأمر إلى ما كان يشاع عن علاقة غرامية تربطه بالنجمة ستيفاني باورز شريكته في هارت المليونير. ولكن بالتدريج بدأت تلك الأمور تظهر لها تحت المجهر المكبر وكاد ذلك يدخلها وهاد اليأس لولا أن ظهر كريستوفر ووكين، الممثل الشاب ذو الجمال الساحر، والأنثوي كما يقول البعض، في حياة الزوجين. فهل أغرمت ناتالي به؟
مهما كان الجواب فإن كريستوفر ووكين، لا يكف عن الظهور في حياة الزوجين، وهو كان ثالثهما على اليخت سبلاندر ليلة مصرع ناتالي، إضافة إلى قبطان المركب دنيس دافرن، الذي سيكون بعد عقدين من الحادثة، العنصر الرئيسي الذي اعتمد عليه التحقيق الذي قامت به مجلة فانيتي فير لمحاولة كشف بعض أسرار مصرع النجمة... وهو أبدى من التعاون والصراحة، ما جعل أسئلة عدة تقوم من حول الأسئلة الشكاكة... ولكن ما الذي حدث حقا في تلك الليلة الليلاء؟

تقرير ال 2013
في منتصف كانون الثاني/يناير 2013، أشار تقرير صادر عن معهد الطب الشرعي في لوس انجليس الى ان وود قد تكون عانت من اصابات غير عرضية قبل وفاتها غرقاً في البحر العام 1981. والتقرير، الذي طلب بعد اعادة فتح التحقيق حول وفاتها الغامضة في تشرين الثاني/نوفمبر 2011، طرح الاسئلة حول هذه القضية التي كانت موضع الكثير من التكهنات.
وعثر على جثة ناتالي، التي كانت يومها في الثالثة والأربعين بعد غرقها في 29 تشرين الثاني/نوفمبر1981 عندما كانت في رحلة على متن يخت في جزيرة كاتالينا في خليج لوس انجليس، مع زوجها الثاني الممثل روبرت واغنر والممثل كريستوفر ووكين صديق الزوجين.
وأشارت اعادة تقويم لتقرير معهد الطب الشرعي الصادر في أيار/مايو 2013 الى ان الممثلين الثلاثة عادوا ثملين الى يخت الزوجين سبلاندر بعدما تناولوا العشاء على الجزيرة وواصلوا تناول الكحول على متن اليخت. ولاحظ قبطان اليخت دنيس دافيرن غياب ناتالي وود قرابة منتصف الليل لكنه ظن بداية انها عادت الى الشاطئ على متن قارب النجاة.
وقد اتصل روبرت واغنر عند الساعة الأولى والنصف بعد منتصف الليل بفرق الاغاثة، التي عثرت على جثة زوجته في المحيط على بعد 200 متر من الشاطئ.
وفي التقرير، الذي نشرته آنذاك صحيفة لوس انجليس تايمز بحرفيته، أكد الخبير الطبي ان بعض الجروح التي سجلت على جسم الممثلة لم تكن بالضرورة عائدة الى حادث مثل السقوط من اليخت أو قارب النجاة. وجاء في التقرير: نظرا الى وجود اثار كدمات حديثة على الذراع اليمنى والمعصم الايسر والعنق من الامام فان الخبير لا يمكنه ان يستبعد ان تكون اسباب غير عرضية وراء هذه الاصابات. وتم تالياً تغيير سبب الوفاة. وباتت الآن توصف بانها عائدة الى الغرق وعوامل اخرى غير محددة بينا كانت في الماضي توصف بانها وفاة عرضية.
وقال قبطان اليخت، الذي شارك في وضع كتاب حول هذا الموضوع العام 2009، ان شجاراً عنيفا نُشب بين ناتالي وود وزوجها قبل اختفائها وان روبرت واغنر انتظر طويلاً قبل الاتصال بفرق الاغاثة.
ويبدو الآن أن القضية عادت إلى نقطة البداية، وأن إعادة فتح الملف تنذر ببروز مفاجآت كثيرة، تسفر عن تحقيق العدالة - مهما طال الزمن - في دولة يعلو القانون فيها ولا يُعلى عليه...
    قرأ هذا المقال   803 مرة
غلاف هذا العدد