إختر عدداً من الأرشيف  
رفيق خوري

بأية مشاريع وأوضاع
يذهب لبنان الى سيدر ١؟
لبنان ذاهب الى ثلاثة مؤتمرات دولية بقدر من التفاوت في الاستعداد لامتحان استحقاقه للمساعدات: مؤتمر سيدر ١ للاستثمار، مؤتمر دعم الجيش، ومؤتمر مصير النازحين السوريين. ومن حسن الحظ ان فرنسا، وخصوصاً في عهد الرئيس ايمانويل ماكرون، لا تزال تمارس دور الملاك الحارس للبنان والملتزم تحريك المجتمع الدولي. لكن التحدي ليس فقط في ما ينتظرنا في المؤتمرات، بل أيضاً في ما نحمله اليها وفي ما نتركه وراءنا في البلد. ومن الصعب تجاهل تقرير الفقرة الرابعة لبعثة صندوق النقد الدولي، وبصرف النظر عن نقاش محتوياته والتذكير بأن وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين لبلدان العالم الثالث لم تكن دائماً موفقة وصائبة، وان لم تؤد الى أزمات اضافية.


ذلك ان ما تركزت عليه الانتقادات والردود على تقرير صندوق النقد كان فقرة بدت كأنها انتقاد ل الهندسات المالية التي قام بها مصرف لبنان لحماية الليرة. اذ نصت الفقرة على انه يجب احتواء مخاطر الاستقرار النقدي، وتشجيع المصارف على زيادة اموالها الخاصة الاحتياطية لمواجهة الازمات، والباقي كان محل ترحيب، مع انه أكثر شمولية وعمقاً من التحضير اللبناني للمؤتمر عبر مشاريع اقتصادية مع الاولوية لتطوير البنية التحتية. والمفارقة ان الدين العام، منذ اتفاق الطائف حتى اليوم، تجاوز ثمانين مليار دولار، ثلثها لعجز مؤسسة

الكهرباء وثلثها لخدمة الدين العام، ولا نزال في حاجة الى كهرباء وماء ومعالجة النفايات.


وعلى أهمية المشاريع المعدة للاستثمار، فان من الصعب تصوُّر السلطة تحقق ما طلبه صندوق النقد من تصويب السياسة المالية فوراً واجراء تصحيح مالي كبير اذا اريد الحفاظ على سعر الصرف الثابت. ولن تقبل الاوساط المصرفية والسياسية الاشارة الى أن سياسة مصرف لبنان تؤدي الى تشوهات في السوق، اذ تبدو سياسة البنك المركزي محل فخر كبير وايحاء انها انقذت الوضعين الاقتصادي والمالي من الانهيار. لكن السؤال هو: الى اي حد نستطيع تقديم خطة متكاملة، يقول صندوق النقد انه يجب ان ترتكز عليها السياسة المالية، بحيث تؤدي الى استقرار نسبة الدين العام الى الدخل القومي مع ميل مستمر الى خفض هذه النسبة في المستقبل؟ واين الخطاب السياسي للسلطة من الواقع اذا كان لا بد من تحسين ادارة شؤون الكهرباء وتطويرها وتحصين القوانين والممارسات التي تضبط الهدر والرشوة، من اجل تحقيق النمو المستدام وتحسين معدلات المساواة الاقتصادية والقدرات التنافسية؟


بعض الجواب في ارقام البنك الدولي، اذ يسجل ان لبنان يحتاج الى ٢٣ الف فرصة عمل سنويا، ولكنه يخلق ثلاثة آلاف واربعمئة فرصة عمل فقط. وهناك ٢٨،٥% من السكان في فقر و٨% في فقر مدقع. وفي دراسة اخرى ان ١٥% من سكان لبنان يحصلون على ٥٧% من الدخل القومي و٥٠% من السكان يحصلون على ١٠% من الدخل القومي، فضلا عن ان نسبة الدين العام ترتفع بدل ان تنخفض، وبعض الجواب في السياسة، حيث التركيز على السياسة النقدية واستمرار السياسة المالية النيوليبرالية وبلا تغيير منذ الاستقلال، وبقاء السياسة الاقتصادية سياسة اقتصاد ريعي. ثم ماذا عن الهدر والرشوة والمحاصصة والتي صارت القاعدة لا الاستثناء؟


درس العراق لا يزال طريا، ذهب، وهو الغني بالثروات الطبيعية، الى مؤتمر المانحين والمستثمرين في الكويت يطلب ٨٨ مليار دولار لاعادة الاعمار بعد القضاء على داعش. لكنه لم يحصل الا على ثلاثين مليار دولار معظمها قروض. والسبب هو انه ذهب لا موازنة سنوية، وخلفه معلومات واتهامات واحاديث عن ان سرقة المال العام، منذ الغزو الاميركي حتى اليوم، بلغت خمسمائة مليار دولار. وليس من السهل ان يتشجع المستثمرون على الاستثمار في بلد مضروب بالرشى والهدر وسلب المال العام وتسييس القضاء، ولو كان بلداً نفطياً.
ولا احد يعرف ان كان لبنان سيربح سباق الموازنة قبل مؤتمر الاستثمار. لكن الكل يعرف ان مكافحة الفساد والرشوة لا تزال خطابا اكثر مما هي ممارسة واقعية. حتى في مراقبة النفقات، فان هناك، حسب تقرير رسمي، سبعة مجالس ليست خاضعة لرقابة ديوان المحاسبة المسبقة: مجلس الانماء والاعمار، مؤسسة كهرباء لبنان، هيئة ادارة السير، صندوق المهجرين، مجلس الجنوب، الهيئة العليا للاغاثة، وبعض البلديات الكبرى.
    قرأ هذا المقال   1696 مرة
غلاف هذا العدد